I-
تعريفات:
القُطر، في التعريف الموسوعي، الناحية
والجانب (لسان العرب)، والقطار: مجموعة
مقطورٌ بعضها ببعض، وجاءت الإبل قطاراً،
اي مقطورةً، وقال تعالى: "يا معشر
الجن والإنس إن استطعتم ان تنفذوا
من أقطار السموات والارض فانفذوا،
لا تنفذون الا بسلطان" (الرحمن 33).
واقطار السماوات والارض: نواحيها
او جوانبها. وقال ايضاً: "ولو دُخلتْ
عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة
لأتوها، وما تلبثوا إلا يسيراً" (الأحزاب
14).
ففي
الآية الاولى: يقصد باقطار السموات
والارض، نواحيها وجوانبها.
وفي
الآية الثانية: لو دُخلت (اي المدينة)
عليهم من أقطارها (أي من نواحيها
وجوانبها).
فالقُطر، إذن، هو جزء من كل، وكذلك
"الدولة القُطرية" التي لم نجد لها
تعريفاً في الموسوعات العربية والغربية،
فهي، ايضاً، جزء من كل، ولا يمكن
ان تكون "كلاً متكاملاً بذاته".
إنها، على أي حال، بدعة ابتدعها لنا
الاستعمار الغربي، يوم أن جزّء المغرب
العربي (بدءاً من القرن التاسع عشر)،
ثم جزّء المشرق العربي (في مطالع
القرن العشرين).
أما الأمة، فهي كلٌ قائم بذاته، وهي
معروفة عند العرب المسلمين منذ فجر
الاسلام، ولم تكن اختراعاً غربياً
كما يتوهم المتوهمون.
لقد عرفت "الأمة" مع نزول الوحي على
النبي الكريم محمد (صلعم)، وقد أتت،
في القرآن الكريم، بمعنيين: المعنى
الأول: أمة الإسلام، اذ قال تعالى:
"ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا
أمة مسلمة لك" (البقرة 128)
وقال: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً"
(البقرة 143)
وقال: "إن هذه أمُتكم أمةً واحدة
وانا ربكم فاعبدون" (الأنبياء 92)
والمعنى الثاني: الجماعة، إذ قال
تعالى:
"ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير
ويأمرون بالمعروف" (آل عمران 104)
وقال: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق"
(الأعراف 159)
وقال: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه
أمةً من الناس" (القصص 23)
إلا ان الأمة، في المعنى الحديث المتفق
عليه، منذ القرن التاسع عشر، هي،
حسب التعريف الفرنسي: "مجموعة اثنية،
دينية، لغوية، جغرافية، اقتصادية،
تاريخية، تتميز بارادة العيش الجماعي،
ولا تتوافق، دائماً، مع "دولة" بالمعنى
القانوني. او هي تدل على مجموعة شعوب،
من اصول مختلفة احياناً، لديهم لغة
مشتركة، وكذلك مؤسسات سياسية مشتركة،
ويشتركون بالديانة عموماً" (Quillet).
ولكن الغالب الاعم، في العصر الحديث،
ومنذ ظهور مفهوم الأمة، في القرن
التاسع عشر، هو أن الأمة كلٌ لا يتجزّأ
الا بالقهر والقوة، وهو ما جرى لأمتنا
العربية في القرنين المنصرمين: التاسع
عشر والعشرين، والذي ادى الى إنشاء
ما نسميه اليوم "الدولة القطرية".
وذلك يعني ان الدولة القطرية لا يمكن
ان تكون الا جزءاً مبتسراً من كلٍّ
هو الأمة التي هي "التجسيد المادي"
للقومية، فالأمة العربية ذات قومية
واحدة هي "القومية االعربية"، بينما
لا تعّرف "الدولة القطرية" بقومية
خاصة بها، ولا يمكن ان تشكل، لوحدها،
ورغم مرور الزمن، قومية مستقلة في
أمة مستقلة، إذ إنها لا تستطيع اكتساب
الصفات والمزايا التي تخولها ان تتشكل
هذا التشكّل، لذا، فهي جزء من دولة
كبرى مفترضة هي "الدولة الأمة".
II-
تكوّن الأمة:
في مقاربة لتكوّن الأمة، يمكننا افتراض
ان الأمم، كالأفراد، تنشأ، ثم تنمو،
فتهرم، فتموت، وكم من أمم ماتت واندثرت،
ولم يبق منها سوى الأسماء، هذا ما
نجده في القرآن الكريم، عن إرم عاد
"التي لم يخلق مثلها في البلاد" وثمود
"الذين جابوا الصخر بالمواد" والفراعنة
"الذين طغوا في البلاد" (الفجر 7-11)،
ثم في التاريخ المكتوب، عن أمم كثيرة
بادت، ولا مجال لحصرها.
أما الأمة، بمعناها الحديث، فقد تكونت
من تجمعات بشرية متعددة (إمارات،
وممالك، ومقاطعات، ودول) تقاربت،
ثم اتحدت، بفعل عوامل بشرية متجانسة،
او غير متجانسة، فشكلت ما سمي "بالأمة"
التي استطاعت، مع مرور الزمن، اختلاق
"قومية" خاصة بها.
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن، في
هذا المجال: هل تظهر "القومية" بعد
تشكل الأمة، ام ان الأمة تتشكّل بعد
ظهور القومية؟
نجد، للرد، على هذا السؤال، نظريتين
مختلفتين هما: النظرية الفرنسية التي
تحدد، لتكوّن الأمة، شروطاً اهمها:
- وجود عنصر فاعل ضروري لتكوين الأمة،
ربما يكون حركة او قائداً تاريخياً،
او كليهما، ففي فرنسا، شكلت الثورة
الفرنسية تاريخاً مهماً لتكوين الأمة
الفرنسية، كما شكل كل من بسمارك وغارليبالدي
تاريخاً مهماً لتكوين كل من الامتين:
الالمانية والايطالية.
- وجود إرادة معلنة بالعيش المشترك،
بين تراكم، متجانس او غير متجانس،
من الشعوب (في اواخر القرن الثامن
عشر، ولدت "الدولة القومية Etat-Nation"
في فرنسا التي جمعت "تراكماً غير
متجانس من الشعوب المفككة").
- بعدها، تبدأ الأمة بالتشكل من خلال
"استيقاظ مشاعر الوحدة المعنوية ضمن
منطق الأمة" وتبدأ تلك المشاعر بالظهور
تدريجاً (بدأ ذلك في فرنسا خلال عامي
1971-1972)، وهو ما يعطي للأمة، حسب
النظرية الفرنسية، تعريفاً أساسياً
هو "رغبة الشعوب المجتمعة في ان تعيش
معاً" (Quillet, Encyclopédie:
Nation, France).
يمكن القول، إذن، إن العنصر الأهم،
حسب النظرية الفرنسية لتكوّن الأمة،
هو "الإرادة والمشيئة" كما يرى "فوستيل
دي كولانج"، وكذلك الفيلسوف الفرنسي
"ارنست رينان" الذي يعرّف الأمة بانها
"جماعة من الناس اتفقت مشيئتهم على
ان يعيشوا سوية".
أما "النظرية الألمانية" في تكوّن
الأمة فتختلف عن النظرية الفرنسية
بانها تعتبر ان استيقاظ المشاعر القومية،
وبروز الأفكار القومية (ربما بتأثيرٍ
من عوامل خارجية) هو الذي يؤدي الى
"وعي قومي" من خلال وعي اللغة والتاريخ
المشترك، ومن خلال دوافع ذاتية اخرى،
كل ذلك يؤدي الى إعادة "التنظيم السياسي"
الذي يؤدي، بدوره، الى الوحدة القومية،
أو الى "الأمة". وتستشهد هذه النظرية
بتأثير الثورة الفرنسية وانتصارات
نابليون على حث بروسيا على مضاعفة
قوتها وتسريع نفوذها (خلال الاعوام
1862-1871)، حيث استطاع "بسمارك"
فرض الوحدة على اوروبا وعلى الأمراء
الألمان (Quillet, Allemagne).
ويُدخل "انطون سعادة" مؤسس "الحزب
السوري القومي الاجتماعي" عامل "الجغرافيا"
كعنصرٍ أساسي، مهم وثابت، في تكوين
الأمة، وفي صميم الفكرة القومية،
بحيث "تحدد البيئة الجماعة من عدة
وجوه اولها: حدود الاقليم الجغرافي،
وثانيها: طبيعة الاقليم.... وثالثها:
شكل الاقليم (اوطوبوغرافيته)"، ذلك
ان "الحدود الجغرافية تحفظ وحدة الجماعة،
لانها تجمعها ضمنها، وتكون العامل
الأول في المحافظة عليها" (سعادة،
نشوء الامم، ص 45).
لا شك في ان سعادة على حق في اعتباره
العامل الجغرافي، في تكوين الامة،
عاملاً مهماً واساسياً، الا اننا
لا نذهب مذهبه في التفاصيل المتعلقة
بهذا العامل، والذي دعاه الى اعتبار
"سوريا" أمة واحدة مستقلة عن باقي
"الامم العربية"، كما يرى.
وسوف نبين آراء اخرى في تكوّن الأمة
(ميشال عفلق وساطع الحصري وقسطنطين
زريق ونديم البيطار) في سياق بحثنا
هذا.
III-
تكوّن الأمة العربية:
قلنا، فيما سبق، إن مفهوم "الأمة"
لم يكن غريباً عن الدعوة الاسلامية
التي انطلقت في مجتمع عربي جاهلي
قبلي لم يكن قد أدرك بعد، معناها
الاجتماعي، وقدمنا، كشواهد على ذلك،
العديد من الآيات القرآنية الكريمة.
إلا ان مفهوم "الأمة" قد تبدل عبر
القرون السالفة، فبينما كانت "الأمة"
تعني، في المفهوم القرآني، وعلى مدى
قرون طويلة "أمة الاسلام" أو "الأمة
الاسلامية"، إذا بهذا المفهوم يتبدل،
عبر القرون، وبعد سقوط الدولة الإسلامية،
ومع نشوء الأمم في اوروبا والغرب
عامة، فلا يظل "مفهوماً دينياً" يعبّر
عن طائفة من الناس تدين بدينٍ ما،
بل يصبح مفهوماً ذا مضمون اجتماعي
تصوغه شعوب متجانسة ام غير متجانسة،
وتعتنق ديانة مشتركة او ديانات مختلفة،
لكي تتشكل في إطار دولة واحدة ذات
قومية محدّدة، كما هو الحال في كل
من الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا
وألمانيا وايطاليا والمملكة المتحدة
وسواها من الدول الغربية التي تشكل
أمماً أو قوميات مختلفة.
هل شكلت "الدولة الأموية" التي قامت
في القرنين: الأول والثاني هجرية
(السابع والثامن ميلادية) دولة "عربية"
بالمعنى القومي للكلمة؟ لا نظن ذلك،
وإن كانت هذه الدولة ذات طابع عربي،
الا انها كانت "دولة اسلامية" بالمعنى
الشمولي للكلمة، وما إن اضمحلت، وخلفتها
"الدولة العباسية" التي كانت "شعوبية"
الطابع، حتى اضمحلت "العروبة" بدورها،
في الدول الاسلامية التي خلفت الدولة
العباسية، حتى سقوط "الدولة العثمانية"
في مطلع القرن العشرين.
إلا ان ما لا يمكن إنكاره هو ان "الأمة
العربية" تكوّنت ونشأت في البقاع
التي اعتمدت لغةَ العرب (اصحاب المشروع
الجهادي التوسعي)، ولغة القرآن الكريم،
فقامت، وبفعل اللغة العربية نفسها،
أمة عربية واحدة "من المحيط الاطلسي
الى الخليج العربي"، وظلت هذه الأمة
قائمة، بالقوة وليس بالفعل، منذ ان
دخلت هذه البقاع في حمى الإسلام.
ترى، لو انتصر المسلمون في معركة
"بلاط الشهداء أو بواتييه"، في جنوب
فرنسا، (عام 114ه=732م)، وتابعوا
تقدمهم نحو باريس، فاحتلوا فرنسا
وما بعدها من دول أوروبا شمالاً،
أفلم يكن من المتوقع أن تصبح هذه
الدول إسلامية، وربما عربية (اذا
ما اعتمدت اللسان العربي وتخلت عن
لغاتها الأمّ، كما جرى في العديد
من مناطق الفتح الاسلامي)؟ وعندها،
ألم يكن من المتوقع ان تمتد "الأمة
العربية" الى حدود اوروبا شمالاً؟
ذلك افتراض لم يكن مستحيلاً طالما
كانت اوروبا في "عصر الظلمات" وبلاد
المسلمين في "عصر التنوير".
الا اننا، بعيداً عن هذا الخيال الجامح،
نعود لنتطلع الى ما آلت اليه حال
أمتنا، بعد ثلاثة عشر قرناً من ذلك
الزمن.
يقودنا ما تقدم في شأن "تكوّن الأمة
العربية" الى البحث في "عناصر" هذا
التكوّن، فيبدو لنا أن اللغة، ثم
الدين، ثم الجغرافيا، كانت "العناصر
الاساسية" في تكوّن أمتنا، ذلك ان
هذه الأمة قد تكوّنت، في الاصل، كأمة
اسلامية شملت "شبه الجزيرة العربية،
والعراق، وسوريا، ومصر، وليبيا، وتونس،
والجزائر، ومراكش" منذ فجر الاسلام
حتى سقوط الدولة العباسية (184ه=800م)
(انظر: ساطع الحصري، الاعمال القومية،
القسم الأول، العروبة بين دعاتها
ومعارضيها، ص 133)، واستمرت هذه الأمة
قائمة، تحت غطاء اسلامي، وبعد ان
جمعتها لغة العرب (مع ان لغات عديدة
كانت قائمة، في معظم هذه البلاد،
عند دخول الإسلام اليها)، ورغم تقلبات
الدول، الإسلامية غير العربية، ثم
الدول الاوروبية الاستعمارية، عليها،
طوال قرون، مما يعني ان "المشاعر
القومية" قد تكونت في هذا الجزء العربي
من "الامة الاسلامية" بعد تكوّن "الأمة
العربية". إلا أن "المفهوم الحديث"
لتكوّن الأمة العربية بدأ "يتجدد"
مع افول الامبراطورية العثمانية وظهور
"الحركة الطورانية" او "تركيا الفتاة"
في اواخر القرن التاسع عشر ومطالع
القرن العشرين، حيث كانت "القوميات"
قد انتعشت وانتشرت في اوروبا، وانتشرت،
معها، الدول القومية او "الأمم" التي
كانت التجسيد المادي الحي للفكرة
القومية.
من هنا، نرى الحصري يعزو "نشوء الفكرة
القومية" الى التغيرات الدولية التي
حصلت في اوروبا خلال ستين عاماً (من
القرن التاسع عشر) حيث نشأت فكرة
تأسيس الدول على اساس القوميات، فكان
ما سمي "بعصر القوميات"، إلا ان الحصري
يرى، تبعاً لذلك، ان "المشيئة" هي
"من نتائج القومية، لا من عوامل تكوينها"
(الحصري، الاعمال القومية، القسم
الأول، محاضرات في نشوء الفكرة لقومية،
ص 27-51).
أما "ميشال عفلق" (مؤسس حزب البعث
العربي الاشتراكي)، فيرى ان اصطلاح
القومية العربية "خليط من افكار واتجاهات
سياسية وعواطف، ومن رواسب انحرافات
سلبية وايجابية، جعلته بعيداً عن
المعنى الصادق الخلاّق الذي يوحي
به، بحيث نرى القومية تارة مرادفة
للتعصب والتوسع، وتارة اخرى مقيَّدة
في أغلال الجنس او الدين او التاريخ،
او مساوية للوحدة ورفض التجزئة، او
لوحدة النضال الشعبي، مع ان هذه المعاني
كلها، السلبية والايجابية، عارضة
مبتذلة جزئية، والقومية، هي وحدها،
الخالدة الثابتة الشاملة" (عفلق،
في سبيل البعث، ص 102)، ثم يشبّه
القومية بانها "العاطفة نفسها التي
تربط الفرد بأهل بيته، لأن الوطن
بيت كبير، والأمة اسرة واسعة" (م.
ن. ص45). ويرفض "عفلق" القول بان
القومية العربية "نظرية" او هي "وليدة
الفكر" بل يرى انها "مبعث النظريات"
وانها "مرضعة الفكر" لا "وليدته"،
وان القول بها "لا يعني التنكر لتراثٍ
حضاري غني وواسع، يشمل شتى الحضارات
التي دخلتها وتفاعلت معها، من مصرية
وأشورية وبابلية وفينيقية وغير ذلك"
(م. ن. ص 104).
لا شك في ان "عفلق" قد استشعر، في
تعريفه للقومية العربية، ثلاثة عوامل
اساسية في تكوّن الأمة، بعد تجزئتها
الى أقطار، وهذه العوامل الثلاثة
هي: عامل التجزئة، وعامل الطائفية،
وعامل عودة الكثير من ابناء هذه الأمة
الى ماضٍ سحيق يبعدهم عن واقعهم القومي
العربي، كعودة اللبناني الى فينيقيته،
والمصري الى فرعونيته، والمغربي الى
بربريته، والعراقي الى أشوريته أو
بابليته الخ... وهو مصيب، في ذلك،
كل الصواب، اذ إننا ما زلنا نعاني،
الى اليوم، من هذه الآفات.
IV-
تجزئة الوطن العربي، ونشوء "الدولة
القطرية":
بدأ الغزو الاستعماري للوطن العربي
مع بزوغ "الدولة القومية" في اوروبا،
فاحتلت فرنسا الجزائر (عام 1830)،
وتونس (عام 1881)، وموريتانيا (عام
1902)، وتقاسمت، مع أسبانيا، مراكش
(عام 1907)، كما احتلت ايطاليا ليبيا
(عام 1911) وبريطانيا مصر والسودان
(عام 1882)، وكان يحكم هذه البلدان
أمراء وملوك وبايات، على غرار الملوك
والامراء الذين كانوا يحكمون البلدان
الألمانية والفرنسية قبل قيام الدولة
القومية في كل من فرنسا وايطاليا،
وكانت السلطة (الاسمية على الأقل)
للدولة العثمانية في هذه البلاد.
وما لبث الاستعمار الغربي أن مدّ
يده الى الخليج العربي، فاحتلت بريطانيا
مشيخات هذا الخليج، بدءاً من ساحل
عُمان (عام 1843) فالبحرين (عام 1861)
فمسقط (عام 1891) فالكويت (عام 1899)
فقطر (عام 1913)، بينما بقي داخل
شبه الجزيرة العربية (الأحساء والقطيف
والحجاز وعسير ونجد وجبال شمّر)،
تحت حكم امرائه ومشايخه، ولكن بحماية
عثمانية او بريطانية. وفرضت بريطانيا
حمايتها على مشيخات "الساحل المتصالح"
(الذي يسمى اليوم: الامارات العربية
المتحدة) وهي: ابو ظبي، ودبي، والشارقة،
ورأس الخيمة، والفجيرة، وام القيوين،
وعجمان (بدءاً من عام 1818)، كما
احتلت بريطانيا عدن عام 1839 (وهو
ما اصبح يعرف، فيما بعد، باليمن الجنوبية)،
وجعلت منها "قاعدة عسكرية مهمة"،
أما صنعاء (عاصمة اليمن الشمالية)
فقد ظلت تحت حكم الأئمة المتفاهمين
مع الاستعمار البريطاني في عدن والخليج.
واحتلت بريطانيا العراق بدءاً باحتلالها
البصرة (عام 1914) ثم بغداد (عام
1917) ثم الموصل (عام 1918)، وهكذا
اكملت سيطرتها على هذا "القطر" المحاذي
لبلاد الشام حيث كانت سيطرة العثمانيين
لا تزال مستمرة.
مع بدء الحركة الطورانية التي رافقت
(في مطلع القرن العشرين) بدء تفكك
اوصال آخر امبراطورية اسلامية في
التاريخ، وبدء نشوب "القومية التركية"
التي تدعو الى التخلص من اثقال الامبراطورية
الهرمة، وضخ دم جديدٍ في أمة تركيةٍ
فتية (بزعامة أتاتورك)، بدأت "يقظة
عربية" تجتاح المناطق الشامية الخاضعة
للحكم العثماني، كردٍ على "الدعوة
الطورانية" او ما يسمى "بتركيا الفتاة".
وكانت، قبل ذلك، قد انشئت "جمعية
بيروت السرية" (عام 1876) التي بدأت
مسيحيةً (ألفها نصارى تخرجوا من الكلية
السورية الانجيلية ببيروت) ثم انتهت
مسيحية اسلامية عربية، إذ رأى اعضاؤها
ان "العروبة" هي القاسم المشترك بينهم
وبين المسلمين، فنادوا بالتحرر العربي
عن طريق "تأليف جبهة عربية موحدة
تقوم على فكرة العروبة، وتستطيع ان
تقف في وجه الأتراك" (زين، زين نورالدين،
نشوء القومية العربية، ص 60-61)،
وتلت ذلك حركة اسسها "احمد الصلح"
(بين عامي 1877 و1880) لإنشاء مملكة
عربية بسوريا (انظر: عادل الصلح،
سطور في الرسالة، ص 91-104) بزعامة
الأمير عبد القادر الجزائري، وقد
أيد الزعيم اللبناني يوسف بك كرم
هذه الحركة في رسالة مطولة للأمير
نفسه (م. ن. ص 104-118)، وفي العام
1905 نشر "نجيب عازوري" كتابه الشهير
"يقظة الأمة العربية Le Réveil de
la Nation Arabe" في باريس، باللغة
الفرنسية، وفيه دعوة الى الانفصال
عن تركيا وتأسيس امبراطورية عربية
مستقلة تمتد "من وادي دجلة والفرات
حتى برزخ السويس، ومن البحر الابيض
المتوسط حتى بحر عُمان، وسوف يحكمها
سلطان عربي حكماً ملكياً دستورياً
متحرراً"، بينما تؤلف "الحجاز الحالية،
مع منطقة المدينة المنورة، امبراطورية
مستقلة يكون حاكمها، في الوقت نفس
الخليفة الديني للمسلمين" (عازوري،
يقظة الأمة العربية، ص 37)، والجدير
بالذكر ان عازوري اعلن في الوقت نفسه،
عن تأسيس حزب باسم "جامعة الوطن العربي".
وفي العام نفسه (1905)، وفي لندن،
عقد رئيس الحكومة البريطانية يومذاك،
"كامبل بنرمان"، مؤتمراً ضم مفكرين
وباحثين وسياسيين من اهم الدول الاستعمارية،
في ذلك الحين، وهي: بريطانيا وفرنسا
وهولندا وبلجيكا واسبانيا وايطاليا
والبرتغال، أمثال: البروفسور جيمس
(مؤلف كتاب: زوال الامبراطورية الرومانية)
ولويس مادلين (الاستاذ في جامعة السوربون
بفرنسا ومؤلف كتاب: نشوء امبرطورية
نابليون وزوالها)، والبروفسور ليستر
(الاستاذ في احدى جامعات لندن)، كما
دعا الى المؤتمر جغرافيين وعلماء
اجتماع واقتصاد وخبراء في شؤون النفط
والزراعة، وقد بدأ المؤتمر اعماله
في لندن (عام 1905) وكانت جلساته
سرية كلها، وقد افتتحه رئيس الوزراء
البريطاني "كامبل بنرمان" بكلمةٍ
أشار فيها الى الخطر الذي يمثله اتحاد
عرب المشرق والمغرب في أمة واحدة،
على الامبراطوريات الغربية، ومما
قاله:
"إن الامبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى
ثم تستقر الى حدٍ ما، ثم تنحلّ رويداً
رويداً، ثم تزول" ثم بادر المجتمعين
بالسؤال التالي: "هل لديكم اسباب
او وسائل يمكن ان تحول دون سقوط الاستعمار
الاوروبي وانهياره، او تؤخر مصيره؟".
وقد ناقش المؤتمرون هذه المهمة طوال
سنتين كاملتين، وفي عام 1907، صدر
عن المؤتمر تقرير يوصي بما يلي:
"1- على الدول ذات المصالح المشتركة
ان تعمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة
(العربية) وتأخرها، وابقاء شعبها
على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل.
"2- ضرورة العمل على فصل الجزء الافريقي
في هذه المنطقة عن الجزء الاسيوي،
وتقترح اللجنة، لذلك، إقامة حاجز
بشري، قوي وغريب، يحتل الجسر البري
الذي يربط اوروبا بالعالم القديم،
ويربطهما معاً بالبحر الابيض المتوسط،
بحيث يشكل، في هذه المنطقة، وعلى
مقربة من قناة السويس، قوة صديقة
للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة"
(راجع تفاصيل هذا المؤتمر، وكذلك
التقرير، في كتابنا: مؤامرة الغرب
على العرب، ص 21-26).
وقد أودعت هذه اللجنة التقرير المشار
اليه في وزارة الخارجية البريطانية،
فكانت اتفاقية "سايكس- بيكو" (عام
1916)، التي قسمت بلاد الشام، او
سوريا الطبيعية، الى اربع دول هي
سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الاردن،
وذلك بتحريض من المنظمة الصهيونية
العالمية، ثم كان "وعد بلفور" (عام
1917) الذي جعل من لا يملك يعطي من
لا يستحق، وأما احلام الشريف المخدوع
(الشريف حسين) صاحب "الثورة العربية"
الى جانب "الحلفاء" فقد ضاعت سدى،
وكذلك احلام ابنه "الملك فيصل" الذي
اعلن عام 1920 "المملكة العربية السورية"
فاسقطها غورو في العام نفسه.
وما ان انتهت الحرب العالمية الأولى
حتى سارعت الدولتان المنتصرتان، فرنسا
وبريطانيا، الى احتلال هذه الدول،
فاحتلت فرنسا سوريا ولبنان (عام 1920)
واحتلت بريطانيا الاردن وفلسطين (عام
1917)، وكلنا يعرف، بعد ذلك، كيف
قدمت بريطانيا فلسطين وشعبها هدية
للمنظمة الصهيونية العالمية.
الدولة القطرية، إذن؟ لم تكن ابداً،
ولن تكون "دولة نهائية"، إنها، في
قناعاتنا، نحن القوميين العرب، محطة
انتظار لاستكمال الأمة لكيانها الذي
تشظى بفعل عقلٍ آثم متآمر، إنها "دولة
موقتة" بانتظار استكمالها في مسار
"الدولة الأمة" التي هي "الهدف النهائي"
الذي يتطلب لبلوغه، الكثير من الجهد
والتضحية ونكران الذات.
إلا ان "الدولة القطرية" قد ترسخت
في وعينا الباطن، الى درجة اننا اصبحنا
نتحدث عن: الشعوب العربية، والمجتمعات
العربية، والأوطان العربية، بدلاً
من: الشعب العربي، والمجتمع العربي
والوطن العربي، واصبحت "الوحدة" حلماً
يثير الاستهزاء والسخرية لدى العديد
من المؤمنين بالكيانات التي أقامها
الاستعمار لكي تكون سداً منيعاً في
وجه اية وحدة عربية.
ونحن، إذ لا نجد للدولة القطرية تعريفاً
خاصاً في الموسوعات والمعاجم التي
تعنى بالشأن السياسي للدول، فذلك
لأن هذه "الأقطار" هي "خصوصية عربية"
صاغها الاستعمار الغربي خصيصاً لنا،
بهدف تمزيق امتنا والتآمر عليها،
والغريب اننا نقدس نتاج هذه المؤامرة،
ونحتفل بتأسيس هذه الكيانات، ونرفع
اعلامها ونردد اناشيدها، بل ونتقاتل
على رسم حدودها، الى درجة ان أجيالاً
بكاملها اضحت تعتقد ان هذه الأقطار
هي البديل الحقيقي للأمة، وربما البديل
النهائي لها.
وفي حقيقة الأمر، ليست "الدولة
القطرية" سوى ابن غير شرعي لعملية
اغتصاب قسرية ارتكبها الاستعمار الغربي
بحق أمنا الكبرى "الأمة العربية".
V-
ظاهرة التناقض بين المصلحة القومية
العليا ومصالح الكيانات وأنظمتها:
من المفروض، أصلاً، أن لا تتناقض
مصالح الكيانات وأنظمتها مع المصلحة
القومية العليا، هذا إذا كانت تلك
الأنظمة ذات توجّه قومي أصيل، وتوقٍ
حقيقي الى الالتقاء في وحدة حقيقية
تامّة. إذ أنه لا بدّ، عندئذ، من
أن تشكِّل مصالح تلك الكيانات وأنظمتها
جزءاً لا يتجزَّأ من المصلحة القومية
العليا، بحيث لا تلبث أن تكون تلك
الكيانات، في مدى قريب أو بعيد، لبنة
من لبنات الكيان القومي العتيد المتكامل.
ولكن الواقع هو غير ذلك تماماً، إذ
ما كاد الاستعمار يقيم الكيانات على
حساب الوطن العربي الكبير ومن أجزائه
المتناثرة من محيطه الى خليجه، حتى
تمسَّك القيِّمون على الأنظمة في
تلك الكيانات بحدودهم فاعتبروها،
إلاّ القليل منهم، حدوداً أبدية تاريخية
نهائية. وأصبح الكيان الذي أقامه
الاستعمار ضمن الكيان القومي الكبير
شأناً في مستوى الشأن القومي إن لم
يفُقه. فالدعوة الى الوحدة خيانة،
والدعوة الى الكيان القومي هرطقة،
والهمّ الأول للقيِّمين على الأنظمة
في كل قطر هو بقاء تلك الأنظمة ولو
على حساب الوطن القومي الموحَّد.
من المؤكَّد أن الجماهير العربية
في كل قطر لا تشارك الأنظمة في توجّهاتها
هذه، فهي قومية ووحدوية أصلاً وأساساً،
ولو أن التوجيه العام في الأنظمة
ذاتها، وكذلك الشعور العارم بالإحباط
لدى هذه الجماهير، بعد النكسات المتتالية
على الصعيدين القطري والقومي، قد
جعلا شريحة كبرى من هذه الجماهير
تتنكَّر، بفعل اليأس، للعروبة والقومية
والوحدة. ولكن المؤكّد كذلك أنه،
ما أن يتمّ انتصارٌ كذلك الذي حقَّقته
مصر وسوريا في وحدتهما عام 1958 مثلاً،
أو كذلك الذي حقَّقته الدولتان معاً
في حرب تشرين/أكتوبر عام 1973، حتى
ينفض المواطن العربي عنه غبار الذلّ
والهوان والهزيمة، ويندفع جيَّاش
العاطفة منادياً بالوحدة مطلباً جماهيرياً
لكل العرب. ولو قيّض لهذه المشاعر
القومية قادة كُفءٌ مخلصون يدركون
تماماً أهمّيتها ويعرفون كيف يوجِّهونها
للمصلحة القومية العليا، لكانت مشاعر
هذه الجماهير المعين الذي لا ينضب
لوحدة قومية لا تتزعزع ولا تهتزّ.
أمَّا التناقض القائم بين المصلحة
القومية العليا والمصالح الكيانية
فهو تناقض مصطنع وليس جوهرياً، تغذِّيه،
دوماً، وتعزِّزه المصالح الشخصية
وأنانيات القيّمين على تلك الكيانات
والمنتفعين من بقائها. وتخضع هذه
المصالح للمبدأ الميكيافيللي القائم
على أن الغاية تبرِّر الوسيلة، وأن
غاية الكيان هو بقاء سلطانهم فيه
وعليه، وأن أي مبدأ يتعارض مع هذا
المبدأ هو عدوٌ شرس يريد تقويض الكيان،
لذا يجب ضربه وتحطيمه. ولا يفيد أن
يكون هذا المبدأ قومياً يتطلَّع الى
إقامة دولة قومية كبرى يكون للكيان
الصغير المجتزأ فيها مكانته كعضو
فاعل في جسم متكامل واحد.
(للتوسع، انظر كتابنا: مؤامرة الغرب
على العرب، ص 285-296).
VI-
كيف تستعيد امتنا العربية كيانها
وشخصيتها:
هنالك شروط ضرورية لكي تستعيد امتنا
كيانها وشخصيتها، وهي:
1- إستعادة الوعي
القومي:
يعرّف "قسطنين زريق" الوعي القومي
بانه: معرفة ماضي الأمة معرفة صحيحة،
وفهم العوامل الطبيعية والتاريخية
المكونة لها، والكشف عن مصادر قواها
الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن
غيرها من الامم (زريق، الاعمال الفكرية
الكاملة، المجلد الأول، الوعي القومي،
ص 23-24)، ويرى أن الانتماء القومي
هو "وسيلة اساسية (إن لم يكن الوسيلة
الاساسية) لتجميع قدرات الأمة وتنميتها"
(ص 140).
يبدو لنا، من خلال هذا التعريف، ان
أجيالنا "القُطرية" قطعت صلاتها،
الى حدٍ بعيد، بمفهومي "الأمة والقومية"
اللتين اعتدناهما في النصف الأول
من القرن العشرين، واضحت، بفعل التربية
الكيانية (ويسميها بعضنا وطنية) متعلقة
بالكيان القطري نفسه (الذي سمي الوطن)،
دون النظر الى "الخلفية التاريخية"
التي كانت في اساس إنشاء هذا الكيان،
مما جعلها تندمج فيه وتؤمن به "كياناً
نهائياً"، وتغلق الباب خلفها دونه،
متجاهلة (او جاهلة) تاريخية هذا الكيان،
وما يربطها بما خلْفه، والى جانبه،
من كيانات مماثلة تشكل، إن اجتمعت،
أمة متكاملة قادرة عزيزة الجانب،
بل انها ارتضت ان تقبع في "بيت من
زجاج" يخشى هبة الريح إن هي هبت عليه
من دولة شريرة، قامت بجانبه، او في
محيطه، بدلاً من ان يتحد مع كيانات
اخرى مماثلة في سبيل درء الاخطار
المتوقعة.
لماذا وصلنا الى هنا، نحن ساكني هذه
"البيوت من زجاج"؟
والجواب على ذلك، في نظرنا، ينحصر
في: عدم تحقيق الديموقراطية في انظمة
الحكم في كل من هذه الكيانات، وعدم
تحقيق التربية القومية المشتركة،
وعدم النظر الى المصالح المشتركة،
الحاضرة والمستقبلية. لذا، فان من
أولى واجباتنا:
أ- تحقيق الديموقراطية:
لاستعادة الوعي القومي في اقطارنا،
يجب اولاً، وقبل أي شيء، تحقيق الديموقراطية،
وذلك لأن الطابع الفردي (كي لا نقول
الديكتاتوري) للحكم، في معظم الانظمة
العربية، يلغى، تماماً، شخصية المواطن،
كما يلغي معظم الحريات العامة التي
تكفلها دساتير هذه الانظمة، واهمها:
حرية الرأي والتعبير التي يجب ان
تكون الاساس في استعادة الوعي القومي
لدى المواطنين، في أي قطر.
إن تحقيق الديموقراطية يلغي سلطة
الفرد ويعيد للشعب سلطته، وعندها،
تمتلك الجماهير الحق والحرية في أن
تنشر أفكارها، وان تعبّر عنها وتدعو
لها، ومن بين هذه الأفكار، بل من
اهمها: الدعوة الى استعادة الوعي
القومي، وتبيان ما تحمله دعوة "الوحدة
القومية" من مزايا يستفيد منها ابناء
القطر كلهم، بل ابناء الأمة جميعاً.
(راجع لتحقيق الوعي القومي، كتابنا:
نحو استراتيجية جادة لعمل عربي مشترك،
ص 122-124 ولتحقيق الديموقراطية،
م. ن. ص 181-182).
ب- تحقيق التربية القومية المشتركة:
وهي التربية التي تساعد ابناء الأقطار
العربية على "معرفة ماضي امتهم معرفة
صحيحة" وعلى "العوامل الطبيعية والتاريخية
المكونة لها"، وعلى "مصادر قواها
الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن
غيرها"، ثم تساعدهم على معرفة لغتهم
وتقاليدهم وتاريخهم، وتدلهم على المصالح
المشتركة بين اقطارهم (كما يرى قسطنطين
زريق). ولكي تكون التربية القومية
مفيدة لتأسيس وعي قومي مشترك بين
ابناء الأمة الواحدة، يجب ان تكون
مناهج هذه التربية مشتركة ومتفقاً
عليها بين المؤسسات التربوية ذات
التوجه القومي، في اقطار الأمة كافة
(ولا بأس في ان يتم ذلك باشراف من
جامعة الدول العربية).
وواقع الحال أن انفراد كل قطرٍ بوضع
مناهج التربية الخاصة به أفقدنا الحس
القومي المشترك، كما ان انفراد كل
قطرٍ بوضع تاريخ مكتوب للقطر جعله
يتخيل "تاريخاً مستقلاً" لهذا القطر،
بحيث ترسخ، في اذهان الاجيال، فكرة
ان "قطرهم" نشأ مع "نشوء التاريخ"
وسيبقى كذلك الى "نهاية التاريخ"،
وهذا تجهيل وتضليل، متعمد ومقصود،
بل تزوير للتاريخ الحقيقي لهذا القطر.
ج- تحقيق المصالح المشتركة:
بلاضافة الى التاريخ المشترك والتربية
المشتركة، يظل "تحقيق المصالح المشتركة"
بين الاقطار العربية من اهم وسائل
تحقيق الوعي القومي، إن لم يكن اهمها
على الإطلاق، ويتم تأمين هذه "المصالح
المشتركة" عن طريق: "الإعداد لحياة
اجتماعية مشتركة، والإعداد لحياة
إقتصادية مشتركة (السوق العربية المشتركة)،
والإعداد لحياة تربوية وثقافية مشتركة،
والإعداد لحياة نقابية مشتركة، والإعداد
لحياة عربية مشتركة في مجالات اخرى"
(انظر تفصيلاً لذلك في كتابنا: نحو
استراتيجية جادة لعمل عربي موحد،
ص 134-140).
إن اوتوستراداً، او قطاراً حديدياً،
يصل بيروت بدمشق فعمان فبغداد فالبصرة
فالكويت فالرياض فدول الخليج العربي
فصنعاء فجدة، ثم القاهرة بالخرطوم
فطرابلس فتونس فالجزائر فالرباط فالعيون
فنواكشوط، في أقصى المغرب العربي
الافريقي، لهو، في نظرنا، اهم واكثر
نفعاً وفائدة من كل ما يقال ويكتب
عن الوحدة العربية. كما ان مواطناً
لبنانياً (زحلاوياً او بقاعياً) يرتاد
دمشق يومياً، لإدارة متجر يقيمه في
دمشق، او احدى المدن السورية، (والعكس
صحيح)، لكفيل بان يفتح ابواباً من
العلاقات الاجتماعية الحميمة والعلاقات
الاقتصادية النافعة للبلدين، أجدى
نفعاً من كل ما يكتب او يقال عن "أخوّة"
البلدين، وعلاقات "الشقيقتين التوأمين".
ويقال الشيء نفسه بالنسبة الى باقي
الاقطار العربية المتجاورة (م. ن.
ص 134).
إن استعادة الوعي القومي العربي نضال
يومي دؤوب ومستمرٌ يستلزم، لنجاحه،
مناخاً ديموقراطياً حراً، وتربية
قومية مشتركة، وإدراكاً ووعياً تامين
لما تؤمنه وحدة الأمة من مصلحة لكل
أقطارها، ومن عزة وقوة ومنعةٍ لكل
أبنائها.
2- إستعادة الأمة
وحدتها:
في كتابنا "نحو استراتيجية جادة لعمل
عربي موحد"، وفي فصل بعنوان "نحو
مضمون جديد لمفهوم الوحدة القومية"
(ص 117-148)، خلصنا الى استنتاج مفاده
ان الوحدة الصالحة والممكنة، للأمة
العربية، هي "الوحدة الاتحادية"،
ولم يعد "للوحدة الاندماجية" سبيل
بعد أن "تجذرت" الاقطار وكادت تصبح،
بدورها، خروجاً على مفهوم الوحدة
بكل أشكالها.
في العام 1943، وفي تقرير رفعه نوري
السعيد، بعنوان "الكتاب الازرق: استقلال
العرب ووحدتهم"، الى المستر "كيسي"
وزير الدولة البريطانية في القاهرة،
يقترح فيه إلغاء مفاعيل إتفاقية "سايكس-
بيكو" واعادة توحيد "سوريا الكبرى"
على ان يمنح اليهود "إدارة شبه ذاتية
في المنطقة التي يكونون اكثرية فيها"،
وان يمنح الموارنة، اذا شاؤوا، "إدارة
ممتازة على نحو ما كانوا يتمتعون
به خلال السنوات الاخيرة من عهد الامبراطورية
العثمانية"، وان تكون القدس "مدينة
يباح دخولها لابناء جميع الاديان،
بقصد الزيارة او العبادة"، كما اقترح
إنشاء "عصبة عربية تضم العراق وسوريا"
على ان يتاح لباقي الدول العربية
الانضمام اليها.
ويستطرد "نوري السعيد" فيقترح إقامة
اتحاد (كونفدراسيون) بين سوريا والعراق،
وهو ما يسمى "بالهلال الخصب" (كتابنا
المشار اليه اعلاه، ص 130-131، والكتاب
الازرق مخطوطة، غير منشورة، نحتفظ
بها في محفوظاتنا).
إلا ان ما اقترحه "نوري السعيد" لم
يلق تجاوباً لدى الحكومة البريطانية
التي اهملته، ولم تجب عليه.
لقد وضعت مشاريع وحدوية عديدة، على
مدى القرن المنصرم، ولم يتحقق أي
مشروع منها، وقامت وحدة بين سوريا
ومصر في عهد عبد الناصر وشكري القوتلي،
الا انها لم تلبث ان انهارت بسبب
اخطاء متراكمة، وبسبب مؤامرات حاكتها
انظمة عربية رجعية، ودول غربية رافضة
لاتحاد العرب، ورغم كل ذلك، لا نزال
نتمسك بالامل في ان نستعيد وعينا
القومي الذي يقودنا الى الوحدة، خصوصاً
في هذا الزمن الرديء المظلم الذي
يلفّ اقطارنا جميعاً.
جدل العلاقة بين القطري والقومي؟
مؤكد ان هذا العنوان لا يثير اهتمام،
او انتباه الكثيرين من ابناء هذه
الأمة، الا النفر القليل الذي لا
يزال يؤمن بأن مصير هذه الأمة ان
تستعيد وحدتها، ومصير هذه الاقطار
ان تعود الى حضن أمها: الأمة العربية.
ذات يوم، وانا اضع كتابي "نحو استراتيجية
جادة لعمل عربي موحد" كنت اتحدث،
مع ابني، عن اهمية الوحدة العربية،
وعن دور الاستعمار في انشاء الكيانات
القطرية، فاذا به يقول لي، وقد بدت
علامات الثقة بما يقول: ولكن، انا
لبناني، يا أبي؟
أوليس في ذلك نزوعاً مخيفاً ومحقاً،
في آن، نحو القطرية المستدامة او
الكيانية النهائية المصير؟ ثم، أوليست
الولايات المتحدة الاميركية والمملكة
المتحدة البريطانية وروسيا الاتحادية
دولاً عظمى ترتبط أقاليمها (او ولاياتها)
بالاقليم المركز، او الاقليم القاعدة،
باتحادٍ وليس بوحدة؟
اولم تكن تجربة الوحدة المصرية- السورية،
كوحدة اندماجية، رادعاً لنا، نحن
القوميين العرب، عن ان نفكر، بعد،
بالوحدة الاندماجية؟ ثم، أو لم تؤكد
هذه الوحدة اهمية "التواصل الجغرافي"
بين الأقطار المتحدة؟
وبناء على ذلك، رأيت ان الوحدة الممكنة،
والمرتجاة، بين اقطارنا، هي الوحدة
الاتحادية، وعلى الشكل التالي:
- وحدة بلاد الشام والعراق (سوريا
ولبنان وفلسطين وشرق الاردن والعراق).
- وحدة شبه الجزيرة العربية (المملكة
العربية السعودية واليمن وعُمان والإمارات
العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت).
- وحدة وادي النيل (مصر والسودان
واريتريا).
- وحدة المغرب العربي (ليبيا وتونس
والجزائر والمغرب وموريتانيا والصحراء
الغربية).
- وحدة جيبوتي والصومال. بحيث يحتفظ
كل قطر بسلطاته الادارية، ويتبع،
فيما تبقى، الى السلطة المركزية للاتحاد.
وبعدها، لا بد ان تقوم بين هذه الاقطار،
الموحدة او المتحدة، روابط، وحدوية
او اتحادية، حيث تشكل بمجموعها: الأقطار
العربية المتحدة (ولايات أو اقاليم
أو غير ذلك)، أو الأمة العربية، او
الوطن العربي الكبير.
(انظر كتابنا: مؤامرة الغرب على العرب،
ص 295-296).
ولكن، كيف السبيل الى تحقيق هذه الوحدات؟
يحدد المفكر القومي "نديم البيطار"
سبل تحقيق الوحدة (أو الدولة القومية)
على الشكل التالي:
لا بد لكل مجموعة من الكيانات، ترغب
في تشكيل دولة قومية، من وجود "سلطة
حكومية مركزية" تسمى "الدولة القاعدة"
مهمتها اجتذاب باقي الدول المهيّأة
لتشكيل الدولة القومية الذي هو "عملية
سياسية" ترتكز على إرادة الوحدة ومشيئتها،
أما "الشعور القومي" فهو نتيجة من
نتائج "التكوّن القومي" وليس سبباً
من أسبابه (البيطار، من التجزئة الى
الوحدة، ص 47-48).
أما "الاقليم القاعدة" فهو الذي يصنع
"الدولة القومية" وحاكم هذا الاقليم
هو "الوجه الاساسي في نشوء الدولة
القومية" بحيث يصبح اقليمه "الاساس
الاقليمي للدولة الجديدة" (م. ن.
ص 68).
وهذا ما يجعلنا نعتبر "الحاكم او
القائد او الزعيم" عنصراً فاعلاً
ومهماً من عناصر "الوحدة القومية"،
ومن الأمثلة على ذلك: بسمارك موحد
ألمانيا، وغاريبالدي موحد ايطاليا،
وابراهام لينكولن موحد أميركا، بعد
حرب الانفصال.
ألم يكن عبد الناصر، حاكم اقليم مصر،
في فترة من الزمن استيقظت، خلالها،
المشاعر القومية لدى جماهير الأمة،
القائد او الزعيم الذي جعل من مصر
"الاقليم القاعدة"، او "الاساس الاقليمي
لدولة الوحدة"؟
وفي نظرة تطبيقية لما ورد اعلاه،
يمكننا ان نعتبر:
- سوريا، هي الدولة القاعدة، او الاقليم
القاعدة، لوحدة بلاد الشام.
- ومصر، هي الدولة القاعدة، او الاقليم
القاعدة، لوحدة وادي النيل.
- والمملكة العربية السعودية، هي
الدولة القاعدة أو الاقليم القاعدة،
لوحدة شبه الجزيرة العربية.
- والجزائر (بعد ان يستتب الأمن فيها)،
هي الدولة القاعدة، او الاقليم القاعدة،
لوحدة المغرب العربي.
إلا ان هذه الدول، او الأقاليم، تظل
بحاجة الى "قائد ملهم" يلهب مشاعر
الجماهير ويحركها باتجاه تحقيق "الدولة
القومية" وبدون هذا القائد، يظل الأمر
بعيد المنال، كما هو حال العرب اليوم.
إن أية وحدة، بين كيانات او دول قطرية
متساوية، في الحجم او في القيمة المعنوية،
تظل صعبة التحقيق، لذا، يجب ان تتوافر
لأية "وحدة عربية" الشروط التالية:
- درجة من الوعي القومي تؤمّن نسبة
معينة من الرغبة والارادة، لتحقيقها.
- اقليمٌ قاعدةٌ يرقي الى مستوى الريادة
بين باقي اقاليم الأمة.
- قائد او زعيم (ملهم) قادر على اجتذاب
مشاعر الجماهير واستنهاض شعورها القومي.
VII-
هل حققت التجزئة الاستعمارية للوطن
العربي اهدافها؟:
لا مجال للإنكار بان تجزئة الاستعمار
للوطن العربي قد حققت الأهداف المتوخاة
منها، إذ أتاحت هذه التجزئة للاستعمار
ما يلي:
1- أقام، في قلب الوطن العربي، كياناً
غاصباً ودخيلاً وعدوانياً، إنه "الحاجز
البشري، القوي والغريب، والصديق للاستعمار،
والعدو لسكان المنطقة" الذي اوصى
به مؤتمر "كامبل بنرمان" عام 1905،
مما شغل العرب، طوال قرن من الزمن،
ولا يزال يشغلهم، عن أي تقدم حضاري
او عن أي تفكير جديٍ بالوحدة.
2- أقام، في معظم الأقطار التي صنعها،
انظمةً تأتمر بأوامره، وتنفذ رغباته،
وتجعل من شعوبها رعايا خائفين صاغرين
مطيعين، يشيحون بانظارهم عن خطاياها،
ويباركون مساوئها. ورغبة، من هذه
الانظمة، في ان يستمر "القائد الملهم"
في منح "شعبه" بركات إلهامه، ويعطيه
من "فيض عبقريته"، يقيّض النظام لهذا
القائد في ان يجدد ويجدد، فاذا بالجمهوريات،
في هذه الأقطار، ملكيات، واذا بالحكام
يستمرون ويستمرون ولا يكلّون ولا
يتعبون ولا يملّون. تلك هي "الديموقراطية"
التي يحميها النظام الأجنبي المهيمن
على مصائر الناس والشعوب، بينما نرى
هذا النظام (الأجنبي المهيمن) يحاسب
المسؤولين في بلده، حساباً عسيراً،
ولا يتورع عن إقصائهم عن سدة الحكم
إن هم اخطأوا.
3- منع الأنظمة المتحررة، من سلطته،
من ان تحقق اي تقدم نحو الوحدة، بل
انه يحارب اي مشروع وحدوي يمكن ان
يصبح حقيقة واقعة، ولا يتورع عن أن
يسعى الى تغيير تلك الانظمة إن هو
استطاع ذلك.
وكان من نتيجة تحقيق الاستعمار لاهدافه
في التجزئة اننا نشاهد، اليوم، وعلى
طول مساحة الوطن العربي، ما لم نكن
نتصوّر ان نشاهده ذات يوم، نحن الجيل
الآفل الذي عاش العصر الذهبي للتوق
الى الوحدة، والشوق الى تحقيقها،
فنحن نرى اليوم:
1- دولاً عربية ترفع، في عواصمها،
رايات العدو الصهيوني، رغم ما يرتكبه
هذا العدو من مآسي ومجازر بحق الشعب
الفلسطيني المناضل، ولا تزال تلك
الاعلام مرفوعة في تلك العواصم، ولا
من يحاسب.
2- دولاً عربية تقوم بالتعاون مع
هذا العدو، دون ان تقيم علاقات ديبلوماسية
معه، فتفتح له مكاتب في بلادها، كما
تفتح لها مكاتب في فلسطين المحتلة
المسماة "اسرائيل"، ولا من يحاسب.
3- دولاً عربية تحتجز المناضلين الفلسطينيين
والعرب الذين يحاولون تزويد اخوانهم
المجاهدين في الضفة الغربية وغزة،
بالسلاح، وتعاملهم معاملة المجرمين،
بل وتقاضيهم بتهمة "التعامل مع الإرهاب"،
البدعة الجديدة التي هي من اختراع
اميركي.
4- دولاً عربية تقوم بدور الوسيط
بين المعتدي الصهيوني والمعتدى عليه
الفلسطيني، مع أن دورها ومكانها هو
الى جانب الشقيق الفلسطيني في نضاله
المشروع.
5- دولاً عربية تقدم للغازي الأميركي
ارضها واجواءها وبحارها، وكل إمكاناتها،
لمساعدته على غزو العراق.
أما مشاعر الجماهير العربية، في كل
اقطار العرب، فقد تبلدت وتحجرت، فلم
تعد تهزها مشاهد القتلى في شوارع
فلسطين والعراق، ولا مشاهد الدمار
الذي تعرضه شاشات التلفزة، يومياً،
في البلدين العربيين الضحيتين، كأنما
الذي يجري في فلسطين والعراق لا يخصنا،
نحن العرب. حتى "المشاعر الانسانية"
لم تعد تتحرك فينا، إزاء تلك المشاهد،
كما تحركنا مشاهد الفن الرخيص في"ستار-
أكاديمي" مثلاً.
في مقابلة أجراها الصحفي المعروف
"محمد حسنين هيكل" (في 8/7/2004)،
في قناة الجزيرة، تخيّل هيكل حكام
الاقطار العربية وشعوبها كأنهم يقطنون
غرفاً متجاورة، وقد اقفل كل منهم
باب غرفته على نفسه (وعلى شعبه)،
أو أنه وقف على باب غرفته يتفرّج
على ما يجري حوله، دون ان يثير ذلك،
فيه، اي احساس بالخطر او بالظلم،
او أية مشاعر انسانية اخرى.
لقد استساغت الانظمة العربية القطرية
الحكم ضمن "بقاع صغيرة" من الارض
العربية الشاسعة، الممتدة من المحيط
الى الخليج، حيث أقيم لها، في هذه
البقاع، مشيخات وامارات وممالك وسلطنات
وجمهوريات، لا يتجاوز عدد سكان بعضها
عدد سكان نيويورك او باريس او لندن
او موسكو، او عدد سكان حي من احياء
هذه المدن، واستطاعت هذه الانظمة
ان تقتل الرجاء والطموح، والأمل بغدٍ
افضل، لدى شعوبها، فبات همّ هذه الشعوب
إما السعي لتحصيل لقمة العيش، مع
ما في وطنها الكبير من غنى، وإما
التحارب، فيما بينها، أو في داخل
كل قطر، إرضاءً لعصبيات طائفية او
قبلية او عشائرية او عائلية او كيانية،
خلفها لنا الاستعمار عند إنشاء هذه
الكيانات، وسهر، خلال وجوده، على
تغذيتها واستمرارها، فتأصلت في مجتمعاتنا،
واضحت من العوامل الأساسية في التكوين
العام للحياة السياسية في كل مجتمع
او كيان، بحيث اضحى من الصعب، بل
من المستحيل، تجاوزها، او تخطيها،
إلا بتنشئةٍ بديلة لا بد من أن تكون
اجتماعية قومية وحدوية جذرية. ويزداد
الأمر صعوبة عندما يغرق الحكام أنفسهم،
(وغالباً ما يغرقون) في هذه العصبيات،
فيجرّون البلاد الى نزاعات وصراعات
تعيق عملية النهوض الاجتماعي، في
كل مجتمع، وتعيق، بالتالي، عملية
النهوض القومي للأمة.
تلك هي العلاقة الجدلية الحقيقية
بين الدولة القطرية والأمة، او بين
القطري والقومي، في الوطن العربي.
منذ نحو قرن، وفي رسالة منه الى جريدة
"الشمس" بتاريخ 12 أيلول عام 1917،
كتب المفكر الماروني "اسكندر عمون"،
من جبل لبنان، يقول: "لو ترك الخيار
(للشعوب المغلوبة على امرها) في تعيين
مصيرها"، فان (العنصر العربي) "سيختار،
حتماً، الانضمام الى الدولة العربية،
فيكون للعرب دولة تشمل سوريا (قبل
تقسيمها) والعراق، وستكون كل ولاية،
او إمارة عربية، متمتعةً باستقلالها
الاداري، فيكون من مجموعها ولايات
متحدة عربية على مثال الولايات المتحدة
الاميركية، واني ارجح، بل اعتقد،
ان الأمر سيتم على هذا الوجه، على
الرغم من مبادئ حزب الاستعمار الفرنساوي"
(Sce Historique de L'Armeé de Terre,
Sn ancienne, Dossier Côte 7n 1640,
Vincennes, France. والنص منشور،
بترجمته العربية، في كتابنا: التاريخ
العسكري للمقاطعات اللبنانية، الجزء
الأول، الإمارة المعنية، ص 407).
وبعد: كم نحن اليوم، وبعد نحو قرن
من الزمن، بعيدين عن تحقيق الحلم
الذي حلم به المفكر اللبناني اسكندر
عمون؟
لعل هذا الحلم قد اضحى مستحيل التحقيق،
هذا ما يبدو لنا، اليوم، على الأقل.
بيروت
في 15/7/2004
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- ابن منظور، ابو الفضل جمال الدين،
لسان العرب، دار صادر ودار بيروت
للطباعة والنشر، بيروت 1968.
- سعادة، انطون، نشوء الأمم، بيروت،
1938 (من منشورات الحزب السوري القومي
الاجتماعي: الآثار الكاملة( .
- الحصري، ساطع، الأعمال القومية،
القسم الأول، مركز دراسات الوحدة
العربية، بيروت، ط2، 1990.
- عفلق، ميشال، في سبيل البعث، دار
الطليعة، بيروت، ط2، 1963.
- زين، زين نور الدين، نشوء القومية
العربية، دار النهار للنشر، بيروت،
1968.
- الصلح، عادل، سطور في الرسالة،
لان، بيروت، 1966.
- عازوري، نجيب، يقظة الأمة العربية،
تعريب: احمد ابو ملحم، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، بيروت، لات.
- زريق، قسطنطين، الأعمال الفكرية
العامة، المجلد الأول، مركز دراسات
الوحدة العربية، ومؤسسة عبد الحميد
شومان، بيروت، 1994.
- سويد، ياسين، مؤامرة الغرب على
العرب، المركز العربي للابحاث والتوثيق،
بيروت، 1992.
- سويد، ياسين، نحو استراتيجية جادة
لعمل عربي موحد، دار النفائس، بيروت،
1996.
- سويد، ياسين، التاريخ العسكري للمقاطعات
اللبنانية في عهد الإمارتين، الجزء
الأول، الإمارة المعنية، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، بيروت،
1980.
- السعيد، نوري، الكتاب الازرق، تقرير
سري يتحدث عن استقلال العرب ووحدتهم،
ويتضمن اقتراحات قدمها نوري السعيد
الى الحكومة البريطانية (عام 1943)
لم ينشر، ويحتفظ كاتب هذا البحث بنسخة
منه في محفوظاته.
- البيطار، نديم، من التجزئة الى
الوحدة، مركز دراسات الوحدة العربية،
بيروت، 1979.