قامت كل النهضات على اساس
الانتصار الاستراتيجي على
الآخر. كذلك كانت نهضة
فجر الاسلام والنهضة
الاوربية او غيرها التي جاءت انتصاراً ونمواً.
لكن النهضة العربية التي بدأت مع بدايات القرن التاسع عشر
جاءت اقتحاما وعدواناً فصارت الهوية
دفاعاً وانغلاقاً. ذلك
ان كل النهضات السابقة لعصرنا من
نهضة فجر الاسلام إلى النهضة الاوربية
قامت على اساس انتصار استراتيجي
على الآخر. اما في حالتنا الراهنة
فلقد تمت النهضة كتحد وجودي امام
غزو ظافر
لذلك حين قام
محمد علي بفصل الازهر عن المدرسة
انشق المجتمع إلى شقين، ثقافتين،
عالمين. شق لإدارة التمفصل مع الخارج سوقاً وثقافة وتحضراً وشق
لإدارة الداخل بأنماط انتاجه وبنيته
الثقافية التقليدية
·
مؤسستان بل ثقافتان
تتحايثان المكان وتتصارعان الزمان.
·
تفرزان صراعا
بين المؤسسة العلمية والمؤسسة الثقافية،
بين العلم والثقافة.
يومها
بدأ فصل العلم عن الثقافة.
من
تجربة محمد علي إلى التجربة الناصرية
إلى التجربة الشيوعية المحلية ساد
المنطق النهضوي الفصامي من هذه
المزدوجة.
كل
نهضة بدأت من تراث. ولكن…النهضة في حالتنا قامت في ظروف غزو
وتحد وجودي فكان هناك نمطين للسلوك. اصبح
التراث هوية بل سلاحا
ايديولوجيا في وجه الاخر الغازي عن البعض منا. او البعض الآخر تداعى وتماهى مع الخارج اغتراباً وعدمية.
فأصبحت الهوية اغتراباً إلى الماضي أو إلى الخارج.
·
ولم يعد التراث منظومة مرجعية قيمية
نراجعها بالنقد والتقييم وندرك
نسبية كل قيمها. بل اصبح التراث
آلية للدفاع الذاتي عن النفس امام
الانصهار، أصبح هو وحده الهوية.
·
اصبح تبرير الضعف
والانكسار لا يعزى لتخلف البنية
الفكرية، ولا للمحددات الثقافية،
بل لأسباب طارئة شكلية او تآمرية.
اغتراب الهوية هذا ولد أأصوليات
على كل المساحة الفكرية
( اللبرالية والسلفية او القومي او الماركسية )
فبنت موقفها على التلفيق وقبول
بالقشور والاكتفاء باستهلاك الحضارة،
دون القبول بالانخراط ثقافيا في
داخلها من خلال مصالحنا وموقعنا الحضاري.
ما الذي نتج عندنا؟ اغتراب نحو الحداثة في النصف:
حداثة
في نصف الاقتصاد، وفي نصف القانون
ونصف الثقافة، ونصف تعليم.
واغتراب نجو التقليد والسلف في
النصف الآخر:
تقليدية
في نصف الاقتصاد ونصف القانون ونصف
الثقافة ونصف العلم.
حتى
أن بعض
الاتجاهات المؤمنة بالنهضة القومية الغت من تاريخنا ما يقارب 850 عاما لأنها
لا تنسجم ونظرتها العقائدية لمفهوم الهوية.
فكان كل حكم لغير العرب
في كنف الدولة الاسلامية غير جدير
بالاعتبار اللهم الا من خلال نظرية
المؤامرة التاريخية على العرب.
850
عاما أو أكثر، لا
ندرسها جيدا، ولا نمجد ابطالها،
ولا نعرف عنها نحن في هذه القاعة
مثلا الا القليل، الا ومضات قدمت
لنا على انها الإشراقات الوحيدة.
وهكذا
يراد التأسيس لعلم اجتماع أصيل
وعلم نفس أصيل وعلم فيزياء وطب
أصيل النتيجة ثقافة تلفيقية
هجينة مستهلكة عامية وغير عالمة الساحة الايديولوجية حزم من اتجاهات تتقاطع
وتوازى، تلتقي وتفترق.
حيث
ترفع نرجسية الذات التاريخية إلى
اقصى ابعادها لا يزال الماضي حاضرا
فينا لا كتاريخ نبني عليه بل كمنظومة
فكرية معجزية نعجز عن تجاوزها،
وتشكل غلافا عقائديا لصراعاتنا
وجاهلياتنا الراهنة. انها باختصار ثقافة تنتمي إلى العالم الآخر! وتكون النتيجة وعي سائد لا
يعكس الهندسة المجتمعية الراهنة
ولا التطور المفترض.
عدم
تطابق الثقافي والايديولوجي من
جهة مع البينة الاجتماعية يحول
الدولة إلى مؤسسة لادارة الازمات.
لذلك
نجد موزاييك ( سلطة ) مؤسساتي،
دولتي وأهلي:
·
عناصر تشريعية
وثقافية تقليدية.
·
عناصر تشريعية
وثقافية حداثية.
·
عناصر ثقافية
قومية دون عناصر مؤسساتية قومية.
عناصر
اجتماعية ثورية تتعايش مع عناصر
لبرالية رثة
ويأتي الموقف
من المرأة كمثال صارخ على مآل الوسطية والتلفيق:
المرأة، ذلك الحصن الحصين للتقاليد يتخذها
الارتداد المدني الحاصل حصنه الاول،
حيث تكون المرأة مرتكزا له لأنها
معقله الاكثر ايغالا في البنى الاجتماعية. لطالما بقي هذا الحصن مغلق لن يتاح للحداثة
اختراق الطبقات الكثيفة التي لا
تزال تحيط بكامل المنظومة السلفية.
حتى
التيارات الشعبوية بأغلفتها المختلفة
اعادت انتاج القيم التقليدية الدارجة
التي تمجد الذكورة كمرتكز قيمي
للعداء للآخر: الغرب. بذلك قبلت التيارات
العلمانية بالمساواة بين الرجل
والمرأة في السياسة لكنها لم تقبل
بها في القوانين المدنية وقوانين
الاحوال الشخصية.
مثالنا
على ذلك: الميثاق الوطني الجزائري
1976: " على الاتحاد الوطني
النسائي ان يكيف نشاطه مع المشاكل
الخاصة التي يطرحها انخراط النساء
في الحياة الحديثة، وعليه ان يدرك
ان تحرر النساء لا يعني التخلي
عن المعتقدات و التقاليد الاخلاقية
التي يختزنها الشعب عميقا"
ثم
كيف يتطور الموقف الوسطي؟: تقول
صحيفة المجاهد الجزائرية: "
ليست النساء مساويات للرجال، فجماهيرنا
الكادحة هي في العمق تقليدية ومحافظة،
ان اشتراكيتنا تستند إلى الاعمدة
السبعة… لا إلى تحرر النساء
هاهي
جريدة المجاهد بعد سنوات تقول:
"كان تحرر المرأة عاملا حاسما
في انحطاطنا". ثم تتابع "
ان خضوع المرأة لزوجها … لا يمنعها
على الاطلاق من المساهمة في الحياة
السياسية ".
ليتابع
احد الاصوليين بعد سنة واحدة:"
حتى صعود النساء إلى الجبال مع
المجاهدين كان وبالا عليهم، ولم
يزد الجنود الا خبلا وفتنة، والله
وحده يعلم ماذا كان يحدث هناك
انه
الوهم بان كل حدث يسير إلى صالحنا
ودليل على قرب تفكك الغرب
وعي
شقي ينوس بين ماض يمتلكه ولا يستطيع
تجاوزه ايجابيا. ومستقبل لم نؤسس
له ولا نستطيع القفز اليه نتج
وعي رغائبي يداور المتغيرات وينتج
حلولا دفاعية.
وباختصار
·
صرنا حداثيين
في الحياة والاستهلاك، اصوليين
في الثقافة.
·
تعمق التباس
العلاقة بين الماضي والمستقبل
صراع
ضد الغرب ولأجله: بعضنا
مع الغرب ايديولوجيا وضده سياسيا.
وبعضنا
مع الغرب سياسيا وضده ايديولوجيا.
صراع
ضد الماضي ولأجله:
بعضنا سلفي سياسيا وحداثي
ايديولوجيا.
بعضنا سلفي ايديولوجيا
وحداثي سياسيا
شرخ
اجتماعي ثقافي شامل.
ازدواجية
كاملة تخلق مناخا صراعيا في كل
جوانب الحياة من الاقتصاد إلى الثقافة. ومفهومين اغترابيين للهوية.
شرخ
بين قطاعين:
·
الاول عصري مستنسخ
·
الثاني تقليدي
ماضوي
وما زلنا نتخبط في الاسئلة
الاولى للهوية والنهضة
ذاتها؟ لم نتجاوزها، لم نبن فوقها،
لم نضف اليها!
من
نحن؟ اقليميا، قوميا، دينيا، حضاريا؟
ماذا
نريد؟ الاندماج؟
الانفصال؟
ما
هو الطريق؟ العلم، الايديولوجيا،
التراث / المعاصرة، ام كل ذلك
نتج
ايضا ان اكثر الانظمة سلفية هي
بالذات اكثرها تبعية للآخر
·
ولئن كانت كل الثقافات تحتوي في
جذورها الفلسفية على تصور غائي
للتاريخ، الا ان حالة الدفاع الحضاري
التي دفعنا اليها جعلت مفهومنا
لغائية الهوية العربية ذا طابع
ماضوي اسطوري رغائبي وجداني. معظم الثقافات وصلت
إلى صيغ غير تناحرية للتواصل مع
الثقافة العالمية مع الاحتفاظ بمكوناتها
الخاصة وتطويرها. اما
المفهوم الرائج للهوية
عندنا فيقع تحت هاجس العلوية المفرطة، الصدارة والخوف
من الذوبان. مما يعيق مساهمتها
بدورها العظيم المفترض في صياغة
الثقافة العالمية.
عندنا
لم تحصل ثورات لإصلاح المؤسسة اللاهوتية.
(نظير ثورة مارتن لوثر).
لم
تحصل ثورات تجدد المؤسسة الدولتية.(
نظير الثورة الفرنسية).
لم
ندخل بعد إلى مفاهيمنا نتائج الثورات
المعرفية الكبرى في الغرب:
-
الثورة في مجال
مفهومنا عن العالم ( من كوبرنيكوس،
إلى داروين واينشتاين).
-
الثورة في مجال
الفلسفة ( هيغل، ماركس، برودون،
سارتر، كولون ويلسون ).
الثورة
في مجال علم النفس الفردي والاجتماعي
( من فرويد إلى يونغ الخ
ولئن كانت الاسطورة اساس
كل الثقافات، لكن ما ميز موقفنا
من تراثنا هو اسطرتنا للتاريخ.
·
فكل ثقافة قامت على التميز، لكن ما ميز موقفنا
من التراث انه يقوم على الفرادة،
على التفرد والغائية، على التفوق.
بحيث تحصر مهمة العقل، في التأويل
وخلق مفاهيم مزيفة تشل القدرة على
فهم الواقع، سواء ارتدى ذلك لبوسا
سلفيا او نهضويا ليبراليا او ماركسيا
لذلك
اتخذ موقفنا من التراث صفات:
-
الفصل الشديد
بين الصديق والعدو حتى داخل وطننا ذاته.
-
قلق ورفض للاخر.
-
موقف فصامي من
الثقافات الاخرى الاقوى: وهم امكان
التلامس معها دون التلوث بها.
ذلك
ان موقفنا قام على منطق حتمي لاهوتي
او قدري قوامه منظومة مفاهيمية متكاملة:
1.الصبر.
2.الزمن
والقائد الموعود ( المستبد العادل).
3.حتمية
الانتصار التاريخي
انه منطق يوحد كل الأصوليات القومية والماركسية والسلفية
واللبرالية
وفي
ثقافتنا الرائجة: يقدم التاريخ
كبعد مكاني فقط:
البصرة
والكوفة والقاهرة والقيروان ودمشق
وقرطبة. هكذا جزر راكدة، لا تجمعها
رؤية كلية متكاملة للتراث الفكري
النهضوي العقلي والميتافيزيائي
العظيم للحضارة العربية الاسلامية
لا
يقدم التراث كبنية حضارية تتقدم
وتنمو
وهكذا:
لا بناء، لا صراع، لا تطور،
لا رابط
زمني
لذلك
ايضا نجد في ثقافتنا الرائجة:
1.
جهل بتاريخ الثقافات
الاخرى.
2.
جهل بحركة المعرفة
البشرية، بل نظرة ستاتيكية ساكنة
للمعرفة البشرية.
3.
لا تقدم ثقافة
العرب على انها اعادة انتاج وتجاوز
بالتالي لجوانب هامة من الثقافة
الاغريقية.
لا
تقدم الثقافة الغربية على انها
اعادة انتاج بل تجاوز ايجابي للبنية
العقلية ولقيم ومفاهيم ومعرفة الحضارة والثقافة
العربية.
تاريخ
الثقافة الرائجة هو نسخة رديئة
عن الماضي، نسخة ميتة بالتعريف.
في حين يغترب الحاضر في الزمان إلى الماضي او في المكان إلى الغرب،
اما المستقبل فاسير لحاضر مفوت.
ولكن كيف كل النهضات الأخرى بما فيها نهضة فجر الاسلام
مع الآخر:
·
تعاملوا عن طريق اعادة ترتيب العلاقة
مع الماضي أولاً بأول. بل كان مستحيلا حتى الحلم بان يكون الماضي اساسا
للمستقبل
كانت ولا تزال تجري عملية
انفصال واتصال متواصلة مع التراث.
·
حيث كل ابداع
انفصال عن الماضي.
·
وما ان يستقر
الابداع حتى يصبح جسرا للتأصل بالتراث
وإعادة قراءته وترتيبه.
·
ما ان يستقر
الابداع حتى يصبح جسرا اصيلا للمستقبل.
·
ولم يكن الماضي لا يثقل احفاده
بل يمكن ان يدفعهم إلى امام. بل كان الماضي يحمل نفسه بنفسه
وكانت ولا تزال كل تحديات العصر لا
تأتي من الخارج. بل نتيجة مسلسل يربط
الماضي بالحاضر بالمستقبل. بل كان النهضات اساساً تحد للتاريخ ليتجاوزوه بالمعنى الايجابي.
من
بيكون إلى ديكارت إلى اينشتاين
وفرويد بنيت النهضة الاوربية على
رفض الافكار المسبقة ورفض السلطة
الوصائية للايديولوجيا.
كل
النهضات بدأت من تراث لكنه لم يكن اساسا ً متفرداً للهوية
·
نهضة فجر الاسلام
قامت على تراث الاحناف بقدر ما
قامت على تمثل قيم الديانات السماوية
الاخرى.
·
نهضة اوربا قامت
على التراث الفلسفي والعقلاني والمعرفي
اليوناني بقدر ما قامت على تمثل
قيم ومعارف الهوية العربية الاسلامية
بل
نقول على العكس: انه حيثما ساد
في الغرب وعي بالتأخر لدى امة اوربية
ساد الاستبداد والشمولية والهوس
القومي والعنصرية واللاسامية: المانيا.
الاغتراب إلى الخارج:
ولكن هل
هناك حاليا ثقافة عالمية في عالمنا الراهن؟
نعم
ثمة ثقافة عالمية تحوي في نواتها
ثقافة معينة هي في غالبها الطاغي
الثقافة الانكلوسكسونية واللاتينية.
وتحوي في نواتها منظومة فكرية لا
تحويها الثقافات الاخرى.
وهي:
العقلانية، العلمانية، الديمقراطية
·
لو وضعنا لمداخلتنا
هذه عنوانا " التراث وتحديات
العصر" وترجمناه إلى اية لغة
اجنبية اساسية فسيواجهنا مثقفوها
ان تلك العبارة فارغة ولا تحوي
أي معنى مضبوط.
·
التراث لديهم
لا يحمل ذات الشحنة العاطفية.
·
التراث وامجاده
عظيمة، جليلة، وهي موضع ابحاث ومراجعات
لا تنتهي ولكن:
لا علاقة لها بالنظرة إلى المستقبل
ومن خلال ذلك يأتينا الاختراق
الثقافي مضاعفاً:
-
اختراق على الصعيد
العالمي.
-
اختراق نوعي
يهدف إلى تحقيق اهداف سياسية وستراتيجية
في منطقتنا ويتم عبر بعض مراكز
الاستشراق.
ونحن
نقابل الاختراق المضاعف بقصور مضاعف:
-
قصور في الموقف
من الحداثة.
-
قصور في التخطيط
والتنفيذ
في حين لا يمكن الاستمرار في القبول بأي أفق للنهضة ولا
التأسيس للهوية العربية المعاصرة
على اساس القول الاستشراقي
بان الغرب للعقل والشرق للروح بما
يكرس نمط من تقسيم عالمي للثروة
والحضارة. النهضات
الحضارية السابقة تحققت عبر عملية
حوار وتلاقح عميق مع الحضارات الاخرى.
وكان يتم تجاوز المأزق الحضاري
بفضل تلاقح وصراع قوى متجانسة تنتمي
إلى منطق يجمعه من حيث الجوهر قواسم
مشتركة واحدة، ليصبح الحوار اداة
انبعاث وتوليد للنهضات الناجحة
داخل الحضارات نفسها
كانت
تلك نتيجة تلاقح الحضارات اليونانية
مع الحضارة العربية الاسلامية من
خلال اعمال الترجمة في فجر الاسلام،
والنهضة الشارلمانية في القرن التاسع
في الغرب، والهندوسية في القرن
التاسع في الهند( شنكارا)، وهكذا
ايضا كان اثر ترجمة الاعمال الفلسفية
العربية إلى اللاتينية في القرن
الثاني عشر، والترجمات التيبتية
والصينية للبوذية
كل هذه الاشكال من الحوار والنهضات التي
نجمت عنه تمت داخل ذات المنطق الحضاري.
فاذا كان فكر ابن سينا وابن الرشد
قد تحدى الغربيين فانه قدم منطقا
ادى إلى تطور عظيم في الفكر الاوربي
لعصر الانوار.
لكن المطروح الآن يحتوي على خلل جوهري.
انه تحد غير ندي على الاطلاق. فالحوار
بين الحضارة الغربية هو غير ممكن
مع الاديان كافة… فبعد ان كان الفكر
اللاهوتي البشري هو مركز مفهوم
علاقة الانسان بالكون حققت الحضارة
الغربية انقلابا في علاقة الانسان
بالطبيعة لاول مرة في التاريخ رأسا
على عقب.
فعصر
العلم والتقنية قلب العلاقة تماما
بين الانسان والمعرفة، وبين الانسان
والعقل، وبين الانسان والكون وبشكل
جوهري. الحضارة الغربية حققت انجازات
عظيمة على طريق تحرير الانسان واطلاق
طاقاته الابداعية وهي تنطلق من
اعتبارها المعرفة طاقة ( بيكون
) وان الانسان سيد العالم المنتفع
به ( ديكارت). واختُزلت الفلسفة
إلى علوم السلوك الانساني (الانثروبولوجيا)
وحل الفكر العلمي الحديث المتحدر
من علوم الطبيعة محل الاشكال التأملية
من المعرفة التي تأسس عليها الفكر
الديني هذه الاشكال المعرفية التي
تأسست عليها قيم مشتركة سمحت في
الماضي بحوار بين الاديان والحضارات.
اما الآن فلقد اختل التوازن بشكل
كامل واصبح التراث الحضاري لحضارات
المشرق يواجه اختراقا وغزوا واستثمارا
وعدوانا لم يتمكن إلى الآن ان يجابهها
الا بموقف دفاعي وقصور وشلل.
الحضارة البشرية بمجملها تعاني من ازمة افق وهوية انسانية
لقد وصلت ازمة الحضارة إلى طريق مسدودة
بسبب سياسات العولمة الامريكية.
فبين ظلاميات الماضي الاممية وخيارات
المستقبل الاممية يجابه العالم
الراهن تحديات كبيرة!
إذ
ان ادهى ما في الرعب الذي تحاول
الولايات المتحدة بثه في العالم
انه لا ينتج توازنا ضابطا لمرجعياته.
فالمرجعيات الجديدة تتجاوز حدود
الدول وتقتحم المجتمعات عاملة على
تغييب المرجعيات الاخرى وإلغاء
الضوابط وإذلال الآخرين. وتحاول
في الجانب الآخر ان تغدو هذه البلدان
مساحات انسانية مستباحة ومذلولة
وأوضاع متفجرة… مما يهدد بإخضاع
الانسانية ومصيرها لاستبداديات
ارهابية تحكم مسلك الدول الافراد.
فتكون العولمة الجديدة قد نجحت
تماما في عولمة الرعب، بل عولمة
الارهاب!
العولمةٌ: كواقع موضوعي حكمي والثانية كمشروع
محتمل.
الاولى: ضغط الزمان والمكان متمثلة العولمة في موجتها في الثورة
العلمية التقنية.
الثانية: النظام العالمي الجديد. حيث تطغى
النسخة الامبريالية النيوليبرالية
للعولمة التي تقودها القوة العظمى
الامريكية وقوة السلطات العظمى
المالية الجديدة من خلال النيوليبرالية
الجديدة التي تحاول فرض مفهومها
للامن والسوق بما يطلق يدها في
العالم تدميرا ونهبا.
قوى الهيمنة الدولية تحاول فرض نظام مالي
اقتصادي مطلق تسميه هي ذاتها بنظام
عدم الانتظام، أي شرعنة اللاشرعية
وقنونة اللاقانون. انها بمعنى آخر
قنونة للفوضى، عولمة للخطر الفيزيائي
على البشرية. لا تريد قواها العاتية ان
تكون مسئولة امام احد، ليست معنية
بالغد، وحدود المكان في عالمها
هو الصفقة، وحدود الزمان هو اقتناص
اللحظة. انها نظام للسطو القانوني
المسلح على نتاج الشعوب ونتاج الحضارة
استنادا إلى تفوق عسكري محض. هذا
النظام العالمي الجديد لا يريد
ان يرى العلاقة السببية بين العنف
المفرط الذي يمارسه والعنف الاقصى
الذي يهدده. هذا التجاهل للاسباب
يجعل امريكا تستنتج انها لا تمارس
القدر الكافي من العنف في وجه الارهاب.
وخلافاً للعولمة الحكمية الموضوعية فان
العولمة النيوليبرالية يمكن التنكر
لها والرجوع عنها والوقوف بوجهها.
انها بمفهومها الصدامي الحضاري
والإنساني تصبح عولمة سلفية وعدوانية
بامتياز. لأنها تستند على مفاهيم
الامبراطوريات الامبريالية السابقة.
حيث مفهوم الاخر مرادف للبربري.
هذا المفهوم للآخر لا يعرف الشراكة
ولا يسمح بها.
ولكن هيهات. فهل يمكن للقرن الحادي والعشرين
ان يسمح بما تطمح اليه هذه العولمة
الامنية والنيولبرالية.
ما
هو الجديد؟
الجديد هو ان شريعة ميزان القوى العسكري
لم تعد كافية في تحديد موضوعة الامن
بالنسبة لأية دولة مهما كبرت وقويت.
لان الشعوب التي لا تعترف ولا تريد
الخضوع لميزان القوى العسكري اصبحت
هي في المواجهة وهي تستطيع استخدام
اسلحة فتاكة قد لا تكون برقي الاسلحة
التي لدى المركز لكنها ولا شك قادرة
على زعزعة المسلمات التي تستند
اليها نظريتها الامنية. بهذا المعنى
اصبح هذا النظام هو الخطر الاول
على مجتمعاته بالذات.
نتائج هكذا سياسات هي:
1.
ان شعوب العالم لن تستطيع تحتمل وطأة هذا لعنف
2.
ان الشعوب اصبحت قادرة على امتلاك اسلحة مؤثرة
متجاوزة حكوماتها التي اصبحت عاجزة
عن حمايتها من مصدر العدوان. وبالتالي
كارثة بشرية من عنف وعنف مضاد.
اذا لابد للانسانية ان ارادت تجاوز الكارثة
من نواظم تطابق وتقنون القوى الجديدة
الجامحة التي اطلقتها الثورة العلمية
التقنية الثانية سواء على مستوى
المجتمعات او الدول او على المستوى
الكوني. في حين تروج النيوليبرالية
لمقولة ان السوق وحدها هي الناظم
الوحيد. أخطر ما في قيم السوق
ان استفردت بمنظومة القيم والضوابط.
انها بما تثيره من دمار واخطار،
تثير نزعات تدميرية عند ضحاياها.
من هنا تبدو مصلحة الاوساط النيوليبرالية
في الحروب العنصرية لأنها
وحدها التي تستطيع استنفار اشرس
ما في الانسان من الغرائز وأقبحها
وتنقل الفكر البشري إلى حالات التوحش
الاولى. في حين ان الامن في ابعاده
الجديدة التي يكتسبها في القرن
الحادي والعشرين لابد ان يكون امنا
يستند إلى ثقافة الانفتاح والحوار
(الديمقراطية والعقلانية والعلمانية).
فتحت ضغط القوى الهائلة للعولمة
يتجه المزيد من الناس إلى قيم الهوية.
ولئن كانت كل ظلامية ضارة فلاشك
لكن ظلامية الاقوى في القرن الحالي
هي الاخطر والاكثر دمارا وخصبا
في ذات الوقت.
اذا
مجتمعات مستباحة ودول مستضعفة وفاقدة