لا
أكتمكم أنني قد لا أتقيد تماما بالعنوان
المكتوب لحديثي ولعلني سأثير أسئلة
أكثر مما قد أقدم أجوبة . إن الحديث
عن الأمة يقتضي أن نشير بادئ ذي بدء
إلى أن الأمة وكل المصطلحات المتصلة
بها نسبية لأنها تتغير بتغير الزمان
وتتغير بتغير المكان ، فهي نسبية
بحسب الجغرافية ونسبية بحسب التاريخ
. ولو عدنا إلى تاريخ هذا المصطلح
عندنا نحن العرب ، لرأينا أن الأمة
هي التي جمعت القبائل في أمة هي مجموع
المؤمنين الذين اعتنقوا الإسلام ،
الأمة في وقت ما من التاريخ تعني
الأمة الإسلامية، نحن الآن حين نتحدث
عن الأمة نتحدث عن الأمة بالمعنى
السياسي وهذا وجه آخر من وجوه مفهوم
الأمة . بالمعنى السياسي أيضاً ليس
هناك مفهوم واحد للأمة ،لأن مفهوم
الأمة قد يتطور بتطور الزمان وقد
يتغير بتغير المكان الجغرافي ، فالولايات
المتحدة الأمريكية على سبيل المثال
لا تستطيع أن تدعي أنها أمة بكل معنى
الكلمة ، لأنها مجموعة جاليات ، جالية
صينية وجالية يابانية وجاليات عربية
وجالية ايرلندية ..الخ . ولذلك ترى
أن رئيس الولايات المتحدة حين يلقي
خطابه السنوي فإنه يوجهه إلى الاتحاد
أي الدولة ، فخطابه يكون مضمونه عن
حال الاتحاد في العام الماضي فالكلام
هنا عن الدولة وليس عن الأمة أما
الدول التي يتطابق فيها مفهوم الأمة
مع مفهوم الدولة ، أي تكون الدولة
دولة قومية وتكون الأمة التي هي حقيقة
موجودة قد حصلت على حقها بإقامة دولة
متفقة مع حدودها القومية فإننا نجد
أن الناس في مثل هذه الدولة لا ينشغلون
بمفهوم الأمة ، وقلما يتكلمون عن
الأمة ، ففي فرنسا مثلاً، وهي دولة
حدودها القومية متطابقة مع حدود الدولة
، كان ديغول يقول : الأمة هي فرنسا
، وفي مناسبة أخرى كان يقول : كان
عندي دائماً فكرة مثالية عن فرنسا
، والكلمة الفرنسية هي إيديه "idée
" وترجمناها نحن العرب بكلمة فكرة
وهي في الحقيقة مثال لفكرة " فكرة
مثالية " , لأن " إيديه idée " يشتق
منها "إيدياليست " ( مثالي ) وايدياليسم
هي الفلسفة المثالية ، إذاً كانت
عند ديغول دائما فكرة مثالية عن فرنسا
، وفرنسا هي الأمة ، مع أننا حين
نتحدث عن فرنسا فإننا نتحدث عنها
دولةً .
أما الأمة
على الصعيد اللغوي ، فإن مفهومها
يختلف من لغة إلى لغة ومن أمة إلى
أمة ، فلو كان لنا أن نتجاوز قليلاً
قواعد اللغة العربية واسمحوا لي أن
أتجاوزها قليلاً ، فإن أمة هي مؤنث
" أم"، أي مؤنث المؤنث ، لأن (أم
) هي مؤنث ، ولا يوجد طبعاً في اللغة
العربية شيء اسمه مؤنث المؤنث. ولكن
تجاوزاً أقول أن الأمة هي مؤنث المؤنث
لأنها كثيرة الأبناء ، لأن الأمة
جماعة كبيرة تتألف من جماهير هي أبناء
الأمة ، و في الشعوب الأوروبية القديمة
معنى الأمة ليس بعيداً عن هذا المعنى
، أي معنى النسل أو الذرية إذا صحَّ
التعبير لأن "ناسيون nation " بالفرنسية
و" نيشن nation " بالإنكليزية مشتقة
من جذر لاتيني ذي صلة بفعل الولادة
( ناتاليتيه ) ( natalité ) ومن ثم
فإن المعنى القديم للأمة يدور حول
النسب وصلة القربى فيقال مثلاً :
نحن أبناء أمة واحدة ، نحن أخوة ،
ولكن هذا المعنى لم يعد معنى مقبولاً
بعد التطور الحضاري العميق الذي عرفته
البشرية ، والآن يتطور مفهوم الأمة
ويتطور مفهوم القومية وتتطور كل المفاهيم
المتصلة بالأمة تطوراً نقل هذا المصطلح
من المستوى النظري العام إلى المستوى
الواقعي ، من مستوى الحقيقة إلى مستوى
الحق .
إن الأمة
أو القومية حقيقة نظرية ، وهذه الحقيقة
توجب أن يكون لهذه الأمة دولة ، وهذا
حق . والحق يرتبط بحق تقرير المصير
وبحرية الاختيار . أنت إذا كان حقك
مهضوماً ، فحقك أن تناضل للحصول عليه
، أما إذا لم تناضل للحصول على حقك
فإن الظالمين يأكلون حقك ويجعلونه
حقاً مكتسباً لهم . وهذا يقودنا إلى
الكلام عن بعض الأوهام التي غرق فيها
الفكر القومي والأحزاب القومية ،
وحزبنا في طليعة هذه الأحزاب ، أو
هذه الاتجاهات القومية ، التي غرقت
في مثل هذه الأوهام ، كنا دائماً
نردد شعاراً يقول " إن الوحدة حتمية
" ، وهذا غير صحيح ، فالوحدة العربية
غير حتمية إلا إذا حملنا هذا الكلام
على أنه من المحتم علينا أن نناضل
من أجل بناء الوحدة العربية ولذلك
فإن هذه الحتمية مرتبطة بالإرادة
البشرية ، فالإرادة البشرية بالعزم
والتصميم والنضال بلا هوادة وبالتضحيات
الجسام يمكن أن تتحقق الوحدة .
فالوحدة
العربية هي إحقاق للحق القومي ، القومية
حقيقة على الأرض في الواقع لكن القومية
قد تكون غير حاصلة على حقوقها ، فإحقاق
الحق القومي يحتاج إلى نضال وإلى
تبنٍ إرادي وإلى حرية الاختيار ،
وهذه ممارسة لحق تقرير المصير .
أقولها بطريقة
أخرى مفهومة أكثر : لنفرض أن العرب
لا يريدون الوحدة العربية فكيف يمكن
أن تتحقق الوحدة العربية ، لا يمكن
أن تتحقق إلا بإرادة الشعب العربي
في كل مكان . فبحريتنا ، وبإرادتنا
، وبحق تقرير المصير ( الذي أصبح
رائجاً في الحقوق الدولية وفي حقوق
الإنسان ) ، إذا ما استخدمناه وناضلنا
من أجل تحقيق الوحدة العربية ، فإن
الوحدة العربية حينئذ قد تكون حتمية
. أما إذا أبقينا الوحدة العربية
فكرة على الصعيد النظري فإنها ستبقى
معلقة في الهواء على صعيد النظريات
دون أن تتحقق .
إن الذي
يحقق الوحدة العربية هو الشعب العربي
هو الإنسان العربي ، والإنسان المصممَّ
على تحقيق الوحدة العربية بعزم أكيد
وبإرادة صلبة وبإيمان مطلق ، حينئذ
يمكن للوحدة العربية أن تتحقق حين
لا تخور عزيمة المناضلين وحين يكون
النضال ثابتاً وقائماً على منهج سليم
وعلى آلية مدروسة.
إن الشعوب
أو الأمم أو الدول قلما تتحدث عن
الأمة أو عن القومية إلا حين لا تكون
حدود الدولة متطابقة مع حدود الأمة
ففي بلجيكا مثلاً قوميتان كبيرتان
وربما بعض القوميات الصغيرة الأخرى،
ولذلك تجد أن الناس في بلجيكا يتحدثون
فيها عن القومية وعن الدولة التي
تحتوي قوميات مختلفة . والاتحاد السوفيتي
سابقاً كان فيه مجموعة من القوميات
( والقومية هنا نستخدمها بمعنى يكاد
يكون مرادفاً لمفهوم الأمة ) وبكلمة
أخرى مجموعة من الأمم : فالروس قومية
، والأوكرانيون قومية ، والأذريون
قومية ، والتركمان قومية ، وهكذا
دواليك ... في مثل هذه الحالات تجد
أن الناس يتحدثون عن القومية ، ويتحدثون
عن الأمة ولكن لا أظن أنهم يشغلون
أنفسهم بهذه الأمور حين تكون حدود
الأمة متطابقة مع حدود الدولة .
وكما قلنا
عن مفهوم الأمة إنه نسبي يتطور بتطور
الزمان ويختلف باختلاف المكان ، كذلك
المفاهيم المترابطة مع مفهوم الأمة
( مثل القومية والفدرالية و الكونفدرالية
و الاتحاد والوحدة أيضاً) كلها تختلف
من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر
. فالفدرالية مثلاً قد تستخدم بمعنى
( اتحاد قوي) بالقياس إلى اتحادات
أخرى أضعف ، وكثيراً ما توقعنا الترجمة
الخاطئة في التباسات أو سوء في الفهم
: فما نسميه نحن ( الاتحاد الأوربي
) يسمى في أوربا في الحقيقة ( الوحدة
الأوربية ) ، ولقد نشب في وقت من
الأوقات خلاف عميق بين ألمانيا وفرنسا
لأن وزير خارجية ألمانيا عرض رأياً
بتعميق الوحدة الأوربية وترسيخها
، وذلك بتحويلها إلى ( اتحاد فيدرالي
) ، وعارضت فرنسا هذا الرأي لأنه
يسلب الدول الداخلة في الوحدة من
استقلالها وسيادتها .
ولقد قرأت
منذ أربع سنوات ثلاث صفحات كاملة
من جريدة ( لوموند ) فيها نص الحوار
الذي دار بين الوزير الفرنسي ( شفنمان
) وبين وزير خارجية ألمانيا ( يوشكافيشر
) . في هذا الحوار قال شفنمان ليوشكا
فيشر : لن نقبل أن تحولوا الوحدة
الأوروبية إلى اتحاد فدرالي إلا إذا
غيرتم مفهومكم عن الفولك ( volk )
وهي كلمة ألمانية لم نجد لها ترجمة
عربية إلا كلمة ( شعب ) ، لكن كلمة
( الشعب ) قاصرة عن التعبير عن كلمة
فولك ، فهذه معناها شعب ، ولكنها
تحمل خلفية من معاني صلات القربى
وصلات الدم والأصول الجرمانية القبلية
القديمة ، أي خلفية من أصول عنصرية
واحدة، فوجد الفرنسيون أن الألمان
مازالت فكرتهم عن القومية و الوحدة
و الفدرالية متصلة بالأفكار العنصرية
السابقة ولذلك كانوا يرفضون ومازالوا
يرفضون الفدرالية ، والخلاف مازال
موجوداً حول هذه النقطة إذاً الفدرالية
هنا أقوى من ( الوحدة ) .
لكن إذا
طبقنا مفهوم الفدرالية كما هو مطروح
الآن على العراق ، نكتشف أن " الفدرالية
تقسيم " بالقياس إلى الدولة المركزية
في العراق ، وهي مختلفة تماماً عن
الفدرالية التي طرحها وزير الخارجية
الألماني على أطراف ( الوحدة ) الأوربية
. فالفدرالية في العراق تعني تقسيم
العراق إلى قوميات و أعراق و إلى
طوائف من شيعة ، وسنة ...الخ فالأمر
يختلف من مكان إلى آخر ومن مفهوم
إلى آخر ومن زمان إلى آخر .
وأعطي مثالاً آخر : لعل كثيرين منا
يتذكرون المشروع الذي طرح في أعقاب
القضاء على نظام ( الانفصال ) في
سورية ، والذي أطلق عليه اسم ( الوحدة
الاتحادية ) ، وكان هذا المشروع يرمي
إلى تخفيف المركزية في الوحدة ، مع
أن ( الاتحاد ) ـ وهو في اللغات الأوربية
( الفدرالية ) ـ أمتن وأوثق عرىً
من ( الوحدة ) في المفهوم الغربي
.
فالأمر
يختلف في المفهوم الواحد من مكان
إلى آخر ومن زمن إلى آخر . ولعل تباين
الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية
من مترجم إلى مترجم ومن قطر إلى آخر
قد زادت المسألة تعقيداً واختلافاً.
ومن الأمثلة على ذلك الارتباك في
ترجمة ( national ) و ( nationaliste
) و ( nationlisme ) ، من الفرنسية
أو الإنكليزية إلى العربية وهي كلها
ألفاظ مشتقة من الأمة ( nation )
. ولكن الحاجة اللغوية أو السياسية
جعلت المترجمين في سورية مثلاً يعبرون
عن المعنى الأول بلفظ ( وطني ) ،
وعن المعنى الثاني بلفظ ( قومي )
وعن الثالث بلفظ قومية ، مع اختلاف
سياسي شديد في القيمة التي تعطى لهذه
الألفاظ سلباً أو إيجاباً . أما في
مصر فقد دأبوا لمدة غير قصيرة يعبرون
عن المعنى الأول بلفظ ( أهلي ) ـ
ويستخدمون لفظ ( الأهالي ) و( الشعب
) بمعنى واحد تقريباً ـ ويعبرون عن
المعنيين الثاني والثالث بلفظ ( وطني
) ـ مثل الحزب الوطني بزعامة مصطفى
كامل ـ وجعلوا لفظ ( قومي ) مرادفاً
للفظ ( محلي ) . ولذلك ما زلنا حتى
اليوم نقرأ في الصحف المصرية أخباراً
عن احتفال طنطا أو بني سويف بعيدها
القومي ( أي المحلي ) .
ولا أعتقد
أننا ، نحن العرب ، وفي حزبنا بوجه
خاص ، بحاجة أو أن من مصلحتنا أن
نغرق في التنظير أو ننصرف إليه انصرافاً
كلياً على حساب الممارسة فهذا خطر
في مثل حالتنا فالتنظير يتحول إلى
نظرية بسرعة ثم يتحول إلى إيديولوجية
ثم يتحول إلى قيد على الفكر السياسي
، وإلى قوالب جامدة تأسر الفكر ولا
تدعه يتحرر منها . إن ما نحتاج إليه
ليس مراجعة الفكر القومي : فلقد سمعت
هذه المقولة كثيراً وسمعت أن علينا
أن نقوم بمراجعة الفكر القومي لكي
نصححه . والحق أننا لا نحتاج إلى
مراجعة للفكر القومي ، لأن العلة
ـ إن وجدت ـ ليست في الفكر القومي
، وإنما في القوميين . ما نحن بحاجة
إليه هو أن نحرر الفكر القومي من
القوالب ، وندعه يبحث عن نفسه من
جديد في ضوء الواقع المتغير لأن الفكر
والنظر المنفصلين عن الواقع عبارة
عن كلام في الفراغ ، فكل تنظير لا
صلة له بالواقع لا قيمة له .. فالمطلوب
أو الحاجة عندنا هي لاطلاق سراح الفكر
القومي لكي يتحرر ويبحث عن نفسه من
جديد في ضوء تحليل الواقع ، من أجل
الوصول إلى غاياته في ضوء الواقع
وأقول لكم بهذه المناسبة أتذكر (
وليست هذه المرة الأولى التي نتذكر
فيها الرئيس الراحل حافظ الأسد ففي
كثير من الأحيان نتذكره وبحق لأن
لحافظ الأسد أهمية كبرى على كل صعيد
) . ولا سيما في مجال إنزال الفكر
السياسي من علياء الخيال إلى صعيد
الممارسة الواقعية ، أنا لم أر في
حياتي شخصاً مثل حافظ الأسد يتحرك
في ميدان الممارسة العملية ، ويمشي
بخطى واثقة وكأنه يتجول في مجال معروف
لديه أو مألوف ، فكأن الشاعر العربي
يشير إليه في هذا الميدان حين قال
: " واثق الخطوة يمشي ملكاً " . لذلك
غلبت عليه صفة ( براغماتي ) في المحافل
السياسية الدولية ، وهي على النقيض
من( الدغماتية ).
فالممارسة
كانت بحق هي عبقرية حافظ الأسد ،
فما أحوجنا إلى الاقتداء به ، ولا
سيما أننا محتاجون إلى الممارسة أكثر
بكثير من حاجتنا إلى التنظير ووضع
النظريات ، فالنظريات لا تفيد كثيراً
وقد تؤذي ، أما الممارسة فهي إنجاز
مفيد على الأرض .
وعلى سبيل المثال إن حافظ الأسد هو
أول من اكتشف أن الحزب السوري القومي
( الذي كان بينه وبين حزبنا عداء
تاريخي طويل ) يمكن أن يكون حليفاً
لنضالنا على أكثر من صعيد ( ومما
يذكر للرئيس حافظ الأسد إبرازه صفة
المرحلية في تحقيق الوحدة العربية
فما الذي يمنع أن تتحقق غايات الحزب
السوري القومي بإقامة وحدة سورية
و ما الذي يمنع أن ننظر إلى الوحدة
السورية من ضمن أفق عربي و أن نرى
في هذه الوحدة السورية مرحلة من مراحل
إقامة الوحدة العربية ، أو خطوة على
طريقها . لقد كان حافظ الأسد السباق
لإدراك هذه الناحية الإيجابية . و
نحن لم نكن نرى في الماضي إلا النواحي
السلبية فيها ، و نحن نعترف بخطئنا
، ويبدو أن السوريين القوميين من
جانبهم قد تأخروا قليلاً في إدراك
أهمية الانفتاح على الآفاق العربية
في فكرهم السياسي .
أذكر مرة
أنني حين كان عمري ما يقرب من 20
عاما كان لي صديق في صفي في الجامعة
من الحزب السوري القومي ( و هو الآن
لم يعد سوريا قوميا و هو علم من أعلام
الثقافة العربية و شاعر كبير ) ،
وذات مرة خضنا في مناقشة أرى اليوم
أنها كانت عقيمة أو أنها كانت أقرب
إلى الجدل الصبياني ، فكنت أقول له
: نحن عرب ، فيقول : لا نحن سوريون
، فأقول لا نحن عرب ، ويقول لا نحن
سوريون و افترقنا على خلاف وشعرت
أنني بحاجة ماسة إلى من يبرهن لي
على أننا لسنا سوريين بل عرب . وبالمصادفة
مررت أمام مقهى الهافانا ( وهناك
كان المجلس اليومي المعتاد للأستاذ
زكي الأرسوزي ) فوجدته جالساً وحده
. فدخلت و سألته مباشرة : كيف يمكن
أن نبرهن على أننا عرب ؟ فقال : لماذا
هذا السؤال ؟ فرويت له المسالة .
فأجاب لو طرحت هذا السؤال على أي
فلاح في أي منطقة ريفية من سورية
لضحك عليك و أجاب أنا عربي وسوري
معاً ، فلا تناقض بين أن تكون سوريا
و عربيا .
وهذا مثال
على حنكة الرئيس الراحل حافظ الأسد
، ففي بدايات حياته الحزبية كان الحزب
السوري القومي في نظرنا عدواً لأنه
كان يدعو إلى الأمة السورية ، ولأن
هذا الأمر كان يشعرنا بكثير من الضيق
والعصبية وكنا في مرحلة نشعر فيها
بأننا نحتاج إلى أن نثبت أننا عرب
وان الوحدة التي يجب أن تتحقق هي
الوحدة العربية لا الوحدة السورية
.
ومما يذكر
للرئيس الراحل حافظ الأسد ، بمناسبة
الحديث عن ثاقب بصيرته وحنكته على
صعيد الممارسة أنه رأى في الوقت المناسب
أن ما يجمعنا مع الشيوعيين في سورية
أكثر مما يفرقنا ، ومن هنا كان حرصه
وإلحاحه على انضمامهم إلى الجهود
المبذولة لتأسيس ( الجبهة الوطنية
التقدمية ) في سورية . وهذا يذكرنا
بكثير من المعارك الجانبية الخاطئة
التي دارت بيننا ، نحن البعثيين ،
وبين الشيوعيين السوريين : فكم من
عراك نشب بين الطلبة البعثيين والشيوعيين
في المظاهرات على خلفية الخلاف على
هتاف أو شعار : هل نهتف لنضال الشعوب
العربية أم لنضال الشعب العربي ؟
وهل نقول العالم العربي أم نقول الوطن
العربي ؟ إن الرئيس الراحل حافظ الأسد
هو الذي علمنا ـ نحن البعثيين ـ أن
ننصرف عن هذه المعارك اللفظية إلى
النضال العملي من أجل تحقيق إنجازات
عملية على أرض الواقع تكون لبنات
حقيقية في بناء الوحدة العربية القادم
.
لقد تطور مفهوم الأمة ، وكذلك مفهوم
القومية تطوراً عظيماً في القرن الماضي
، وكان هذا التطور يتجه بوجه عام
نحو ربط هذين المفهومين بحرية الإرادة
الإنسانية وحرية الاختيار وحق تقرير
المصير،
أي تغليب العوامل الذاتية على العوامل
الموضوعية . وبهذا يصبح المعنى الحديث
للقومية أقرب إلى المعنى القانوني
، أي أقرب إلى ( الجنسية ) ، وتصبح
قومية الإنسان هي جنسيته ، أو جواز
السفر الذي يحمله . أما الأمة فقلما
يتحدث عنها الناس حيث حققت الأمة
دولتها القومية ، و أما الأمة العربية
فهي ، بالمعنى الحديث ، مشروع ، الأمة
هي مشروع للمستقبل . إذ ما الفائدة
من وجودها النظري إذا لم تتحول إلى
واقع على الأرض يتحرك ويؤثر وتكون
له صلات وعلاقات بالأمم الأخرى .
نحن الآن في ظل التجزئة أشلاء فالدول
القطرية هي أشلاء الأمة العربية الممزقة
. ولكي نعيد هذه الأشلاء جسماً واحداً
وكياناً واحداً نحن مضطرون إلى عمل
شاق إلى نضال دونه خرط القتاد إلى
أجيال تموت فتحمل عنها أجيال جديدة
لواء النضال من أجل تحقيق الوحدة
العربية . ولابد من الإشارة هنا إلى
أن تحقيق الوحدة بالقوة العسكرية
( على غرار تحقيق الوحدة الألمانية
في القرن التاسع عشر ) مرفوض رفضاً
مطلقاً لتناقضه مع حق تقرير المصير
لجميع شعوب العالم .
وتحقيق الوحدة العربية لا يكون إلا
بخطوات عملية : إن توحيد طريقة كتابة
الهمزة في الأقطار العربية خير ألف
مرة من ترديد شعارات الوحدة ، وإن
بناء سد الوحدة بين سورية والأردن
هو إنجاز على أرض الواقع ينفع الوحدة
أكثر من قصيدة يتغنى شاعر فيها بالماضي
المجيد ، وإن إقامة خط للربط الكهربائي
بين قطرين عربيين أو أكثر أجدى للوحدة
العربية من بحث نظري يؤكد أن الوحدة
العربية ستحقق حتماً ودون أدنى شك
. ثقوا بأن الوحدة لن تتحقق عفوياً
، أو من تلقاء ذاتها ، فهي لن تتحقق
إلا بالعمل والنضال ، عملنا نحن أنا
وأنت ، ونضالنا نحن العرب جميعاً
، وإنجازاتنا العملية على أرض الواقع
. لقد أنفقنا وقتاً طويلاً وثميناً
في التنظير لوحدة العرب ، وفي البرهان
على أننا أمة عربية واحدة، ولهذا
فقد آن الأوان للتخطيط العملي لتحقيق
إنجازات ملموسة على أرض الواقع وعلى
طريق الوحدة العربية الطويل .
و مما يمكن
أن يروى أيضا في مجال ربط القومية
و الأمة بحق تقرير المصير قصة أخرى
جرت في أواسط السبعينات حين كنت مشتركا
في اجتماع ممثلا لحزبنا حزب البعث
العربي الاشتراكي مع رابطة الشيوعيين
اليوغسلاف في يوغسلافيا في عهد الماريشال
تيتو في أواسط السبعينات .
قال محدثي
اليوغسلافي : نحن بصدد وضع قانون
جديد للقومية في يوغسلافيا ، فحين
يبلغ المواطن الثامنة عشرة من عمره
، يصبح من حقه أن يختار قوميته :
صربي ، كرواتي ، سلوفيني ، مقدوني
، أو من الجبل الأسود أو بوسني ،
الخ ....
حينئذ خطر
ببالي سؤال فقلت له لماذا ابتكرتم
قومية أخرى أسميتموها القومية الإسلامية
، فقال المسلمون في معظمهم عندنا
يريدون أن تكون قوميتهم هي الإسلام
. فقلت ولماذا لم تجعلوا الأتراك
في بلادكم من القومية الإسلامية ؟
فقال لأنهم اختاروا أن تكون قوميتهم
تركية فكان لهم ما يريدون !
فقلت : لماذا تربطون القومية بحرية
الاختيار ، في حين أن للقومية روابط
وعوامل موضوعية ؟ قال : كيف يمكن
في حالتنا أن نطبق الروابط الموضوعية
ولا نعطي حرية الإرادة مجالاً ؟
وعرض وضعه
الشخصي وقال : أنا مثلاً أبي صربي
وأمي كرواتية وجدي لأبي صربي وجدتي
لأبي مقدونية ( وسار متبعاً هذه الشبكة
المعقدة ) فأنا خليط من هذه القوميات
فماذا أختار ؟ إن الخيار أن نهيب
الناس أن يختاروا القومية اليوغسلافية
. والحقيقة أن الماركسية كانت تنحو
هذا المنحى فهم كانوا يخشون أن تكون
القوميات ذات اتجاهات شوفينية ( أو
تعصبية ) فكانوا يسعون إلى تآخي القوميات
بل إلى إذابتها في بوتقة واحدة إذا
أمكن ، وطبعاً هذا الأمر لم يتحقق
.
ألخص ما
أقول بجملة واحدة نحن لسنا بحاجة
لنظريات إضافية للقومية العربية فلدينا
نظريات كافية جداً وهي متفقة كلها
على هدف الوحدة العربية . أما الوحدة
العربية فعلينا أن نجد سبلنا إلى
تحقيقها على صعيد الممارسة العملية
، على صعيد العمل ، وليس على صعيد
النظرية .
إننا ، نحن العرب ، اخترنا من قبل
( العروبة ) ورفعنا رايتها عالياً
اسماً لهويتنا القومية ، ونجدد اختيارنا
للعروبة اليوم وغداً وفي كل يوم متأسين
بحديث الرسول العربي الكريم ( ص )
: " ليست العربية لكم بأبٍ ولا أم
. إنما العربية اللسان " .
إن العروبة
هي الظل الوارف الذي يظلنا جميعاً
، فاللسان العربي يجمع جميع أبناء
العروبة ، لا فرق بينهم على اختلاف
عقائدهم ومذاهبهم وطوائفهم وعناصرهم
وأصولهم الإتنية أو الجغرافية .