الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة الفكر القومي العربي: واقع وآفاق (1)
مداخلة الدكتور محمد حبش: مدير مركز الدراسات الإسلامية بدمشق بعنوان
(العروبة.. الأبعاد الحضارية والكتلة التاريخية)
دار البعث ـ 20 حزيران 2004
 

منذ ولادة المشروع العربي قبل نحو مائة ونيف من السنين، والمنطقة تطرح سؤال النهضة بدءاً من مسألة الهوية، هل نحن عرب أم مسلمون، وتقفز إلى الواجهة عادة عند العجز عن الإجابة الحاسمة ظاهرة ضياع الهوية بين تيارين اثنين:
الأول: تيار يرى في الدعوة الدينية فعلاً ماضوياً استنفذ أغراضه ولم يبق له مكان في دائرة الفعل السياسي إلا إن يكون ظاهرة صوتية، تعلن على المآذن، فيما يتصور الحل فقط من خلال بعث قومي متعصب للولاء والهوية، يدفع في دربه كل أشكال الرجعية والظلامية والتخلف وهي تعابير لن يطول تأملك في التراث القومي التقليدي حتى تدرك أن المقصود بها هو المشروع الديني بكافة أطيافه.
الثاني: المشروع الإسلامي الذي يتبنى خيار الحل المنجز وفق ما كرسه الفقهاء في الماضي، ويتطلع إلى المشروع القومي على رأس جملة من الريب، على أساس أن الأخير ما هو إلا مشروع بريطاني مكماهوني، أنجزه طموح جامح للورنس العرب وكتائبه، التي حطت في أرض الشام تحمل الخلاص القومي من الاستبداد العثماني، ولكنها كانت كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ونظر القوميون إلى المشروع الإسلامي من أفق ماركسي على أساس الحاجة إلى تنوير يعصف برماد الغيب، وفق ما فعل فرسان عصر الأنوار بالتراث الكنسي حين قمعوه عن المشاركة في الحياة وأسكنوه مرغماً ردهات الدير لا يخرج منها إلا إلى منصة المذبح كل أحد لينكفئ بعدها إلى رهبنته وفق أقل خسائر ممكنة.
فيما طرح الإسلاميون المواجهة مع التيار القومي على أساس أنه تيار يهدف إلى تغييب حاكمية الإسلام ويقلد النموذج الغربي في بناء الحياة، ورأى الإسلاميون أن القوميين يحجون والناس راجعة إذ أن أوروبا تجاوزت مرحلة التوثب القومي إلى مرحلة المثل الديمقراطية التي تجعل الانتماء القومي محض إرماز لادلالي من أشكال التوصيف الديمغرافي.

الصراع على الهوية:
من وجهة نظر كل أحد فإن أرضه ووطنه يعتبر مركز العالم يستوي في هذا الشعور الياباني والأوروبي والعربي والهندي والمكسيكي، وهو إحساس بريء مشروع فالأرض كروية، والقرب والبعد فيها من وجهة نظر كل أحد ليس إلا مسألة مرتبطة بقربه أو بعده عن أهله وأسرته، ومع هذه المقدمة البريئة البسيطة فإن هذه السطور ماضية لتؤكد لك الدور المحوري لسوريا في الأرض كعاصمة للروح والحضارة على أقل تقدير!!
تتنازع سوريا أربعة أطياف رئيسية من الهوية التاريخية: السوريانية وقلب العروبة وشام شريف وسوريا المقدسة، وتسعى كل واحدة للتعبير عن نفسها تاريخياً في ظلال ما تقدمه من تفسيرات وتعيينات للواقع والمستقبل والطموح.
لا يمكنك أبداً أن تتخلى عن الجذر الضارب في عمق التاريخ الموصول بمجد سوريا كأول أرض ظهرت فيها الحضارة البشرية المدونة أو على الأقل أول ألف بائية في التاريخ في رأس شمرا، وكذلك الرقم الإبلائية القديمة التي تؤرخ لحضارة بالغة التأثير في المشهد الثقافي العالمي، حيث تبدو حضارة الإبلائيين في سهول الشمال السوري وبالذات على أطراف معرة النعمان أول تدوين طموح في التاريخ الحديث للبشرية، وهنا على أرض الشام استمر تفاعل الحضارات الآرامية والأكادية والفينيقية والآشورية، وعرف الإنسان استخدام الآلة والمحراث والعربات الجرارة في وقت متقدم على تجارب الأمم الأخرى.
من حق السوريين الاعتزاز بماضيهم الحضاري الذي تشهد له إيبلا كما تشهد له تجربة الزباء المتمردة في قلب الصحراء في بالميرا وهي ترسم ملامح أمة لا يمكن لأحد أن يحد من طموحها حتى لو كان ساسة الامبراطورية الرومانية المقدسة.
سوريا في التاريخ منطلق الديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية , وفيها عاشت الديانات بطوائفها حياة الأمة الواحدة، وفيها عاش الفلاسفة وعلماء الدين والقدّيسون والشّعراء والمستكشفون والفاتحون
وفيه بعض من أشهر أسماء التاريخ القديم و الكلاسيكيّ أمثال: سارجون, حامورابي, أشوربانيبال, سميراميس, زينو الرّزين, هانيبال, زنوبيا, إفريم الإمبراطورة البيزنطية السّوريّة ثيودورا, برج الأسد الإمبراطور البيزنطي إيسورايان, ومن منطقة الهلال الخصيب هناك على الأقلّ ستّة أباطرة للإمبراطوريّة الرّومانيّة ( سيبتيميس سيفيرس, جيتا, كاراكالا, إلاجابيولس, سيفيرس أليكساندر و فيليب العربيّ ) و على الأقلّ خمسة باباوات ( أنيسيتس, جون ف, سيرجيس الشّارع, سيسينيس و جريجوري الثالث

الطموح السوري تاريخياً لم يكن محض مغامرة مجنونة لنكرات في التاريخ طواها الزمن في سجله الصامت، بل إن السوريين كانوا أيضاً أصحاب مشروع امتد من الوسط السوري فامتد شرقاً إلى الخليج وامتد غرباً إلى المحيط، ولأمر يعلمه السوريون فإن هذا المد الحضاري هو الذي رسم بالضبط ملامح النهوض العربي الذي فرض نفسه عبر حركة الفتح الإسلامي، والذي أوغل شرقاً إلى السند وغرباً إلى الأندلس ، ولكنه في استقراره وثباته انحسر تماماً إلى الحدود التي خطها من قبل الفاتح السوري تحديداً بحيث يكون الناتج الحضاري للعرب هو بالضبط تنفيذ الطموح السوري الأول.
على كل حال فليس من هدف هذه الدراسة مناقشة الدراسات التاريخية وإنما مناقشة الطموح المشروع للقوميين السوريين بالمعنى الفكري بالطبع وليس بالمعنى الحزبي.
الشواهد كثيرة في حضور الحس القومي السوري لدى كل مواطن هنا إلى الحد الذي يجعلك تفهم تأكيد معظم الباحثين الموضوعيين على مقولة: لكل إنسان في العالم وطنان وطنه وسوريا.
إن تسمية ملتقى الحضارات بكل براءة هي محض صورة من خيار النهوض لقومي السوري، وهو ما يجعل سوريا في ضمير كل أحد رسالة خالدة أيضاً تستحق أن يناضل لأجلها.

أما العروبة فهي جزء من التكوين الثقافي للوطن ، لا يصح التردد أبداً في منحها دوراً محورياً في توجيه المشاعر القومية الرافعة لنهضة الأمة.
وبدون أي تكلف فإن بالإمكان أن نشير إلى عشرات الأدلة في الكتاب والسنة على منزلة الأمة العربية، وفضل اللسان العربي، (إنا أنزلناه قرآناً عربياًَ لعلكم تعقلون) وكذلك الآية الكريمة (وإنه لذكر لك ولقومك ولعلكم تسئلون).
العروبة اليوم في الأرض شرف يسابق إليه كل مؤمن بالرسالة الإسلامية، وعلى سبيل المثال فإن جمعية واحدة في أندنوسيا قمنا بزيارتها، وهي جمعية المحمدية تدير اثني عشر ألف مدرسة في اندنوسيا كلها معنية بتدريس اللغة العربية للناشئة على الرغم من عدم وجود أي دافع اقتصادي أو جغرافي وراء هذا النوع من الاهتمام، بل يقتصر الدافع هنا على ضرورة تعلم لغة القرآن، وثمة جمعية أكبر منها هي نهضة العلماء وهي تمارس الدور نفسه في رعاية اللغة العربية من منطلق رسالي يرتبط بدور العربية في الوحدة الإسلامية وأداء النسك الشرعي، وبالإمكان هنا الإشارة إلى نحو عشرين ألف مكتب لتحفيظ القرآن الكريم في تركيا وعدد مماثل في نيجيريا وإيران وعدد أكبر في الحشر الإسلامي في القارة الهندية الذي يزيد عن خمسمائة مليون مسلم.
إن الشواهد كثيرة وغير متناهية عن اهتمام الشعوب الإسلامية باللغة العربية والإصرار على تعلمها وتعليمها على أساس أنها لغة القرآن والحكمة والنور.
ببساطة فإن المركز الثقافي الروسي في دمشق على سبيل المثال يحتاج سنوياً إلى تمويل لا يقل عن مليون دولار ولو قصرت الحكومة الروسية في دعمه فإنه سيتوقف بكل تأكيد، ومثل ذلك في أي مركز ثقافي قومي آخر، أما في مشهد المراكز العربية في العالم فإن المسألة تختلف ويغدو هنا نشر اللغة العربية ليس واجباً قومياً على العرب ترصد له الاحتياجات المكافئة من الموازنة، وإنما مطلب وطني للشعوب الإسلامية يحملها عليه إيمانها بالقرآن الكريم والالتزام الديني الذي يوقنون بطهره وقدسيته.
هل نحن سوريون أم عرب، سؤال تنازع الجواب عليه أصحاب المشروع العربي والمشروع السوري، ولكنه كان ينتهي دوماً إلى أجوبة طافحة بالغرور وتسفيه الآخر، وهو جدل ثقافي حاد ينتج بشكل مستمر مواقف متباينة في تحديد الهوية لعل أبرزها ما خرقته في جسد الوحدة الوطنية الرصاصات التي طوحت بعدنان المالكي وطوحت معه بمشروع الوفاق السوري العروبي نحو نصف قرن من الزمان.

شاع القول بأن الهجرات العربية من الجنوب هي التي رسمت وجود الإنسان في سوريا بحيث لا يصح دراسة المشهد السوري إلا بالصعود من تحت، وهذا يحتم بكل تاكيد ضرورة إسباغ نعمة الهوية العربية على الوجود القومي برمته، بحيث ينبغي أن تدرس كل ظلالنا الثقافية في إطار الأداء القومي العربي، وهو منطق يحيد ضرورة الوجود القومي الآخر المنتمي إلى جذور غير عربية بحيث يغدو ضرورة ضيفاً طارئاً على المنطقة.
وأعتقد هنا أن من الواجب الاتنباه إللى إعادة دراسة النمطقة في ضوء الاكتشافات الحديثة والانتباه إلى بؤس مصطلح (الشعوب السامية) الطارئ الذي لم يكن له وجود قبل أن يطرحه المستشرق النمساوي شلاوزر وهي تسمية توراتية تسيء إلى العروبة والسوريانية والإسلام والمسيحية جميعاً، حيث تغلف المنطقة كلها بأوهام توراتية، وتؤسس بشكل غير مباشر لثقافة الكراهية التي تجعل العالم مباشرة في موقع الغوييم الأبله المكلف بخدمة شعب الله المختار.

من جانب آخر فإن جدل العلاقة بين العروبة والإسلام ينبغي أن يتم تناوله بالمنطق الإيجابي وأن نتفهم أسباب التشنج التي طبعت العلاقات المتأزمة في المرحلة الأخيرة بين التيارين الإسلامي والقومي، فقد قدم سيد قطب على سبيل المثال اقتراح ضم الفكرة القومية إلى الوثنيات التي حاربها الإسلام، واعتبره أجلى مظاهر جاهلية القرن العشرين، وفتح بذلك جحيم الصراع الإسلامي القومي إلى الغاية، الأمر الذي عزز منطق الاتهام المقابل للمشروع الإسلامي بأنه مشروع يعيش خارج الحياة والواقع، وأنه يحمل فكر الشعب المختار، وأنه يحتكر الحقيقة في الأرض والخلاص في السماء ويعمد إلى تغييب الآخر وإلغائه.
والواقع أن سيد الذي انتشر فكره على إطار واسع في التيارات الإسلامية لم يكن يتحدث عن الفكر القومي بعينه وإنما كان يتحدث عن المجتمع الإسلامي برمته حين يرضى أن يختار سبلاً للحاكمية غير النص، أو يتوقف عن إنكار وسائل التشريع من برلمانات ومشاريع قومية ووطنية لا تعلن من البداية أنها خاوية الوفاض وعليها أن تمتنع عن التشريع والاجتها الذي هو حق مقصور على فقهاء الشريعة المحكومين بدلالة ظاهر النص ووسائل علماء الأصول المحددة.
وبذلك فيجب الانتباه أن الفكر التكفيري لم يتوقف أبداً عند حدود مواجهة المشروع القومي أو الماركسي وإنما كان يمتد ليقرر بصراحة أن الأمة الإسلامية برمتها لم تعد موجودة، لا في المجتمعات المادية الغربية ولا حتى في المجتمعات الإٍسلامية طالما أن فيها مؤسسات تنتج أحكاماً تشريعية لا تحظى بموافقة الفقهاء.
وهنا يقول السيد في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام:
وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم -على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام- لا نرى لهذا الدين "وجودا".. إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر؛ وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شئون الحياة.
ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وألا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين".. فهؤلاء من حقهم أن يستيقنوا: كيف يكونون مسلمين!
إن أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة وما يزالون يبذلون جهودا ضخمة ماكرة خبيثة؛ ليستغلوا إشفاق الكثيرين الذين يحبون أن يكونوا مسلمين، من وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور! وتحرجهم كذلك من إعلان أن "وجود" هذا الدين قد توقف، منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله؛ فتخلت بذلك عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية (أو بالألوهية)؛ فهذه مرادفة لتلك، أو لازمة لها لا تتخلف. هؤلاء الأعداء الماكرون الخبثاء يستغلون ذلك الإشفاق وهذا التحرج لتخدير مشاعر الكثيرين في الأرض، الذين يحبون أن يكونوا "مسلمين" وإيهامهم أنهم ما يزالون "مسلمين" فعلا! وأن "الإسلام بخير"! وأن الناس يمكن أن يكونوا "مسلمين" دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين؛ بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية لله وحده، من ادعاها لنفسه فقد ادعى الألوهية، وكفر، وخرج من هذا الدين! .
وكذلك ينبغي أن نجهر نحن بالحقيقة المقابلة التي قد يشفق منها الكثيرون ممن يحبون أن يكونوا مسلمين، وممن يتحرجون أن يعلنوا أن وجود هذا الدين قد توقف.. لنبطل مفعول "المخدر" الخبيث الذي يخدر به أعداء هذا الدين محبي هذا الدين!!".العدالة الاجتماعية في الإسلام 244-247 .
الإسلام إذن غير موجود اليوم على الأرض، والمسلمون غير موجودين، وإن كان الكثيرون منهم يحبون أن يكونوا مسلمين، ولكن يجب أن نصارحهم بالحقيقة المرة -وإن كانت مؤلمة- أنهم ليسوا مسلمين، هم إذن كفار ومشركون، ويجب أن يدخلوا في الإسلام من جديد، على أساس جديد.
بالتأكيد إن الحوار بين المشروع الإسلامي والمشروع القومي وفق هذه الأرضية سيكون لوناً من حوار الطرشان، إذ الطرف الذي يحاوره القوميون غير موجود بالمرة، ومشروع (العصبة المؤمنة) الذي يتمترس خلف إيديولوجيا من هذا القبيل ليس لديه أنصاف حلول وإنما هو ماض بعزيمة إلى ساعة الحسم التي لن يفصل فيها إلا العنف، ولا شك أن ذلك كله لا يبرر النتيجة التي لقيها سيد في ظروف غير ديمقراطية ولا إنسانية، تحمل بذاتها أكثر الأدلة إقناعاً لأتباع هذا التيار أنهم يواجهون بالفعل جاهلية القرن العشرين.
فهل كان من الصواب رسم ملامح الحوار الإسلامي القومي على ما قرره سيد قطب وزملاؤه؟؟
إن الصراع في الحقيقة ليس بين الفكرة القومية والفكر التكفيري، إنه في الحقيقة بين الفكر التكفيري والأمة الإسلامية برمتها، التي يشكل التيار القومي أحد أطيافها، والتكفير هنا لا يوفر حتى الحرات الإسلامية التي تهادن أو تصالح الأنماط الديمقراطية أو المشاريع العلمانية، ولا يكتم الرجل رأيه أنه يعتبر سائر الأمة مشمولة بحكمه هذا.

إنني أعتقد إذن أن الحديث عن الحوار الإسلامي القومي ينبغي أن ينطلق من أفق آخر، يبحث عن المشترك الإيجابي ليعززه ويقويه، وليؤسس على الجذور المشتركة بين التيارين بحيث ننهج وفق المنطق القرآني: نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم.
وهنا أود أن أسجل ملاحظة مهمة في جدل العلاقة بين العروبة والإسلام، فالشعوب الإسلامية من غير العرب التي تزيد اليوم عن مليار إنسان ليس لديها أي عقدة في فضل اللغة العربية، ولديهم الرغبة الصادقة لتكريس الجهد والمال لنشر هذه اللغة وتعميمها في أجيالهم، ولكن لا ينبغي أن يحملنا ذلك على غرور الاعتقاد بالاستعلاء القومي، واعتماد نازية عنصرية عروبية.
لقد قدم الأمويون نموذجاً سيئاً عندما قسموا الناس إلى عرب وموالي، وأدت هذه القسمة تلقائياً إلى انقسام الأمة وتبادل الريب وولادة المشاعر العنصرية والشوفينية وهو ما مهد بالتالي لانهيار الدولة الأموية ووثوب الشعوبيين بين الحين والآخر للثأر من الكبت القومي الذي مورس ضدهم.
إن الاعتزاز بالانتماء مشروع ولكنه سيصبح مرفوضاً بكل تأكيد حين يتحول إلى لون من الغطرسة والاستعلاء على الآخر، وغمط الناس تاريخهم وولاءهم.

أما الخيار الثالث فهو المعنى المسيحي لسوريا إذ هي مهد هذه الديانة العالمية، وهي حقيقة ينبغي أن لا نتنكر لها في قراءتنا للواقع والمستقبل في سوريا، فهذه الديانة العالمية التي يدين بها نحو نصف سكان الأرض وترسم تاريخ العالم وتحدد مواقيته بدون منازع هي منجز سوري بامتياز، وعلى الرغم من المؤسسات الجبارة القائمة في مختلف أرجاء العالم باستمرار منذ ألفي عام فإنه ليس بوسع أحد أن يزعم أن هذه الديانة ليست سورية المنشأ والمطلع والثقافة والهوية، فما بين ولادة عيسى الناصري في بيت لحم وطريق آلامه الممتد من الناصرة إلى الجولان والموصول في الوعي الإسلامي بربوة دمشق وما بين درب الاستنارة الذي خطى على أثره بولس الرسول فإن كل شيء في المسيحية يبدو سوري الملمح والمشهد، وعلينا أن نذكر العالم بأن السيد المسيح الذي يحمل صليبه اليوم أساطيل المارينز الأمريكي وجحافل اللاهوت الغربي ليس إلا مناضلاً سورياً كان يكدح هنا بزنده الأسمر وروحه الوثابة ويتوكل على الله.
على الرغم من التناقض الصارخ بين أبناء العالم في المشهد الثقافي على الأقل فإنه لم يسجل في تاريخ البشرية إجماع على أمر كذلك الإجماع الذي التزمه العالم في احتفالاته بذكرى دخول الألف الثالث فهو حدث عكس إجماعاً عالمياً فريداً من نيوزيلاند إلى جزر هاواي وميكرونيزيا وما بينها، ولم يكن ذلك الإجماع العجيب إلا إقراراً بالدور الإنساني الريادي للسيد المسيح على مستوى العالم، وهو تذكير مرة أخرى بدور سوريا في ريادة الروح والحضارة في الأرض، وواضح أنه من غير الممكن أصلاً أن يحقق أحد في العالم أي معنى احتفالي في ذكريات الميلاد والفصح والجمعة العظيمة ورأس السنة من دون أن يطوف بخياله وضميره مشهد سوريا الأرض الجغرافيا التي تحركت فيها رسالات الأنبياء والمعالم المحلية التي لا تزال ترتل إلى اليوم في معابد الأرض على أنها مشاهد الروح القدس.
هكذا ينظر العالم إلى سوريا أو نصف العالم على الأقل على أنها أرض سوريا المقدسة مهد المسيحية وأرض الأنبياء والمعجزات ومغارة الميلاد.
وعلى الرغم من سيطرة الروم والرومان واليونان في الحضارات المتعاقبة التي حكموا فيها العالم فإنهم لم يفلحوا أن ينتجوا نبياً يونانياً أو رسولاً رومانياً وظلوا على الرغم من استبدادهم الامبراطوري عالة على سوريا في إنتاج أئمة الروح.
من جانب رابع فإن سوريا لها شغل آخر في الريادة الإسلامية فهي الأرض الوحيدة التي حرك إليها النبي الكريم جيشه خارج جزيرة العرب وهو يردد اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا في إرادة واضحة لرسالة التحرر التي ما فتئ يتطلع بها ثوب الشام ، وعلى مداخل الشام الجنوبية يرقد ثلاثة من رجاله المقربين زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة على ثرى مؤته في إشارة واضحة ترسم ملامح أول أبطال استقلال في تاريخ الشام.
وتتوالى إشارات النبي الكريم الواضحة في الدور المركزي للشام في رعاية الروح في الأرض طوبى للشام ولم يا رسول الله لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها، والشام فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى في ارض يقال لها دمشق في غوطتها هي خير مدائن الشام يومئذ.
ولم يخطئ أصحاب النبي الكريم هذه التوجهات فسرعان ما نقلوا عاصمتهم الحضارية إلى الشام، وكان ذلك إدراكاً من الصحابة الكرام للحاجة إلى الاستفادة من المنجز الحضاري التاريخي للشام لجهة نمح الإسلام الخبرة والتجربة، وأطلقت دمشق في ضمير العالم أكبر حركة فتح ظافرة، وحملت مشروعها التحرري بوسائل العصر الذي أدركته إلى آفاق العالم الأربعة وخلال أقل متن قرن أصبحت دمشق عاصمة لحضارة تمتد من السن على الأندلس ، وهي حضارة تضاهي في عظمتها حضارة الإسكندر غير أنها لم تمارس بطشه، ومنحت الشعوب التي نعمت بأدائها الحضاري دوراً غير قليل في رعاية التوثب الحضاري، الأمر الذي جعل عبر عنه أقبال بكل شفافية بقوله:
أمة الصحراء يا شعب الخلود;               من سواكم حل أغلال الورى
أي داع قبلكم في ذا الوجود               صاح لا كسرى هنا لا قيصرا
هاتفاً في مسمع الكون العظيم               ليس غير الله ربـاً للعبـاد
وهو المعنى الذي عبر عنه أحمد شوقي بقوله:
لولا دمشق لما كانت طليطلة               ولا زهت ببني العباس بغدان

ودمشق إذن مهوى أفئدة المؤمنين وفيها رقد عشرة من أنبياء القرآن الكريم وثلاثمائة من أصحاب النبي الأكرم، وبذلك فقد تم رسم ملامح أكثر البلدان في الأرض إشراقاً برغائب الروح.
وهكذا فإن الدور التاريخي للشام كعاصمة إسلامية ومنتظر إشراقات الزمان الآخرة هي التي جعلت حنين المسلمين في العالم أبداً صوب الشام الشريف على أنها أرض المحشر والمنشر، واليوم يتحدث المسلمون عن الشام على أساس أولها شام وآخرها شام، وإليها كان تأوي عن قصد جموع المهاجرين من كل مكان في العالم ينالهم فيها اضطهاد أو ظلم على أساس أنها أرض الشام الشريف.
وخلال التاريخ فإن نسيج المجتمع السوري سعد بهجرات كثيرة معظمها كان طلباً للأمن الذي طبع سوريا نظراً لمكانة الروح والإيمان فيها ولدينا على سبيل المثال هجرات أفغانية تشهد لذلك عائلات: الأفغاني والغزنوي والخوارزمي والكابولي ، وهجرات أوزبكية تشهد لذلك عائلات البخاري والأوزبكي والطاشكندي والسمرقندي، وهجرات إيرانية تقرؤها في عائلات النيسابوري والقزويني والشيرازي والأصفهاني والأصبهاني والرازي والتبريزي وهجرات قفقاسية تشهد لها عائلات الداغستاني والجركس والشركس والأديغة والشيشاني والأباظة (الأفخاز) وهجرات تركية تقرؤها في عائلات الاستامبولي والاسلامبولي والقوني والأنطالي والأنطاكي والأنقروي والأناضولي والدياربكري والمارديني والأرضرومي، وهجرات بلقانية منها آل الأرناؤوط والبوسنه لي والكوسوفي وال...
وحين تطوف في العالم وخاصة صوب الشرق البعيد يمكنك أن تنظر من خلال ذلك كله إلى الدور الذي تمارسه ريادة الروح المشرقة في العالم الإسلامي باتجاه الشام الشريف أرض المحشر والمنشر.

وبعد. فأين نحن إذن في أطياف الفصول الأربعة لمجد الشام؟
من المؤسف أن الحوار سيتجه مباشرة إلى تقرير أولانية كل واحد من المعاني الأربعة يتولاه كل فريق بحيث يتحول الفريق الآخر إلى مجرد مدافع عن خياره الثقافي في هذه البنية، وهكذا يضيع عناء كثير في تقرير الجواب على هذا السؤال: هل نحن عرب أم سوريون أم مسلمون أم مسيحيون؟
ليس سراً أن أخبرك أنني لا أرى أي معنى لهذا الخصام الأجوف الذي يجهد أن يطفئ ثلاثة من هذه المصابيح لصالح مصباحه الرابع، وأشعر بأن سوريا هي ذلك كله ، وأشعر بأن سائر الأدبيات التي حشدها أصحابها للدفاع عن رؤاهم ووجهات نظرهم في تقرير هوية الوطن مدعوة أن تتكامل لا أن تتلاعن، وأن يصل بعضها حبال بعض لا أن يجهز بعضها على بعض، وأن يعي كل فريق بمعنى خيار الفريق الآخر لا أن يجهد في لعن اختياره.
إن المنطق الديمقراطي يمنح الأشياء أسماءها وهويتها ينبغي أن يتوجه إلى الاغتناء بكل خصيصة من خصائص الوطن لا إلى هدره، فكيف إذا كانت هذه المعاني الأربعة هي أقداس ثقافية وروحية لأمم الأرض تلتقي هنا في عاصمة الروح دمشق.
علينا أن نتعاطى مع الأشياء في البحث فيما بينها من تواصل وتكامل، على أساس الإيمان بفائدة الاختلاف والتنوع، والتعامل معه على أساس أنه ضرورة حضارية وليس على أساس أنه أزمة ثقافية أو لعنة إشكالية.
هل نحن إسلاميون أم عرب أم مسيحيون أم سوريون؟
بالتأكيد السؤال سيحفز كثيرأ ممن يتعاطى الشأن العام والخدمة الوطنية وسنتناوب الحديث عن السمة الأبرز للهوية في الوطن وفق هذا التنافس الرباعي على أقل تقدير وربما تولى البعض إظهار ملامح أخرى بغية الميز الحاسم للهوية.
ولكن ألا يمكن قراءة المسألة من جانب آخر.
تمضي هذه الدراسة إلى تقرير أن الخيارات الأربعة المذكورة ما هي إلا أجنحة أربعة للخيار الوطني الذي ينبغي أن يرسم ملامح البلاد، كما تمضي إلى تقرير أن كل واحد من هذه الخيارات هو إرث وطني ورصيد جوهري لا ينبغي التفريط فيه بحال، وعلينا أن نعترف بأن منطق النسخ والإقصاء والإلغاء منطق غير ديمقراطي، وإن جرى تطبيقه في غفلة من الزمن فإن ذلك يعد انتهاكاً لمجد الوطن، وإن علينا أن نكف عن منطق كلما دخلت أمة لعنت أختها، وأن نحيي هنا ثقافة الأنبياء التي عبر عنها النبي الكريم بقوله: مثلي ومثل الأنبياء نم قبلي كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة فكان الناس إذا مروا بها يقولون ما أحسن هذه الدار لولا موضع اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين.
وهكذا قدم النبي الكريم قراءة من عل للمنجز الحضاري الذي قدمه الإنسان فهو لم يقل أنا كل البناء وإنما قال أنا محص لبنة في تاريخ الأنبياء.

من الوارد تماماً أن تمارس حقك الوطني في الاعتزاز بالانتماء السوري وتسجيل المجد والفخر لأمجاد سنحاريب وسرجون وأكاد وآشور وهو رصيد تاريخي لكل من يسكن هذا الوطن ولكن هذا الانتماء مهما كان علياً لا يحق له أن يشترط نفسه على سكان الوطن بحيث لا تكتمل وطنيتك إلا بالانغماس في شاراته، والرضا بمدلولاته.
وهنا يلزم القول إن الانتماء السوري إلى الحضارات المتعاقبة لا يثير الإشكال التحريضي الذي يتطلع إليه الآخرون في مسائل الانتماء كما هو الحال في القومية والدين ولكن غلاة الفهم القومي السوري أوشكوا أن يعتبروا هذه المسألة عقيدة دينية يلزم التزامها بحيث يمضي أي اختيار آخر إلى نفي الولاء الوطني.
أما المسألة التي أثارت الإشكال فهي الإصرار على الولاء القومي العرقي العربي، إن العروبة مجد للوطن وهي تعكس من وجوه كثيرة امتداده في الأرض وعمقنا الثقافي في العالم، ولكن ذلك لا يجوز أن يجعل من العروبة وثناً يعبد بحيث تتحدد معالم الوطن على أساس ذلك، إن القومية كالدين هي إحدى معالم الوطن ومجده، ولكن علينا أن نتذكر أن الدور التاريخي لسوريا أسعدها بهجرات كثيرة، وأنها ظلت عبر التاريخ تعتبر هيئة أمم متحدة، وعلينا أن نفهم السياق الذي قدم فيه الرئيس بشار الأسد خطابه الجريء الأخير بإعلانه أن القومية الكردية جزء من نسيج المجتمع السوري وإن لهؤلاء مطالب مشروعة نمضي إلى تلبيتها بلا إبطاء،وهو موقف يتجاوز بكل تأكيد الأدبيات التي حكمت نشاط البعث ورؤيته لعقود طويلة وأججت في العراق على سبيل المثال لرماد كثير جاءه أجله بالبارود الموعود فالتهب ناراً وغضباً، يوشك أن لا ينطفئ إلا على ركام الوطن.
في سوريا روم ولاتين وشركس وترك وكرد وأوزبك وفرس من غير المعقول أن ينظر إليهم على أنهم بقايا الوجود الأجنبي في الوطن بل هم جزء من ملامحه الحقيقية الكريمة.
وهكذا فإن الفخر بالمجد العربي لسوريا ينبغي أن لا يتبرم ويضيق ذرعاً بفخر الآخرين بكرديتهم أو آشوريتهم أو تركمانيتهم إذا كانوا مقتنعين بأن دماء الآباء تجري فيهم، وهنا يتعين التأكيد على أن ذلك مظهر من غنى الوطن وفرادته وليس مظهراً لشتاته وتميعه، فمع دخول عصر العولمة يدرك الجميع أن منطق القبيلة العربية الذي كان يقدس الدم الأزرق، وهو ما يطبع سلوك العشائر اليوم لم يعد موجوداً بل يجب القول إنه غير ممكن أصلاً ، إذ لا وجود في العالم لعرق نقي في أي بيئة أو ظرف أو مكان أو زمان.
إن منطق الاستعلاء على الآخر تحت أي مسمى كان لم يعد مقبولاً على الإطلاق وهو مرفوض إسلامياً بقول النبي الكريم أيها الناس إن أباكم واحد وإن ربكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وقول القرآن الكريم: إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
لقد خاض النازيون مشروعهم السياسي تحت عنوان ألمانيا فوق الجميع فماذا كانت النتيجة؟ حربان عالميتان حصدتا نحو تسعين مليون قتيل ومعاق، وآثار مدمرة للحياة والأحياء وسلسلة لا تنتهي من العذابات والآهات والآلام.
وعندما غير الألمان ظرف المكان الذي استعملوه وأطلقوا شعار: ألمانيا مثل الجميع، أمكنهم عندئذ أن يمهدوا لأنجح نمط وحدوي في العالم وهو نمط الوحدة الأوروبية.
والأمر نفسه في المشهد الديني ففي إطار الدور الإسلامي الهائل لسوريا فإن البعض يميل إلى وجوب تغييب أي دور للمسيحية في الوطن على أساس أن الإسلام شريعة ناسخة وأن أفضل الحلول هي أن يغادر أبناء المجتمع المسيحي ثقافتهم ويلتحقوا بركب الأكثرية وعند ذلك فإن التوحد سيفرش ظلاله على الوطن ، وأنه لا فائدة من ذكر المجد المسيحي في الوطن إذ يتضمن ذلك تهاوناً بالثوابت الإسلامية التي جاءت لتبطل كل ما سلف من هدي الأنبياء وتهدي العالم الحلة الجديدة من إرادة السماء.
ولست أدري أي فائدة للوطن في التفريط بجزء عزيز من تاريخه وحضارته لا يزال إلى اليوم يرسم لمعظم سكان الأرض ملامح إشراق الروح ويرسم القبلة التي تأوي إليها الأفئدة والقلوب في العالم.
وبتعبير المناطقة فإن النزاع على الهوية بين هذه الأطياف الأربعة وغيرها أيضاً لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه من باب التناقض بل ينبغي أن ينظر إليه من باب التضاد، فتغتني الأمة بالتعدد والتلون والتغاير ولكن ذلك يتحول إلى نخر قاتل حين يتلفع برداء التعصب الذي يفترض التناقض بين المتغايرات.
إن بناء الوطن ينبغي أن يلتزم المثل الديمقراطية وفق منطق المواطنة، وهو وعي موضوعي عملاني لا شأن له بالمسألة الثقافية، وفقط فإنه وفق المعايير الديمقراطية للمجتمع يمكن أن تكون هذه الخيارات غنى وثراء للحياة بحيث يحتاجها المجتمع في حراكه الحضاري، وهذا بالضبط ما تقوم عليه الدولة الحديثة التي تقوم بتكوين نفسها من غير روافع الأيديولوجيا وحواجز الأعراق، وتختار من الروح الدينية إشراقها ونورها وسموها نبراساً مضيئاً لا يندغم فيه مطلب المادة.
يمكن أن نقرأ العبث الذي يرسم الصراع الصوري البائس بين الاتجاه القومي والاتجاه الإسلامي من خلال الجدل الذي لا يتوقف اليوم على شبكة الأنترنت حيث يتم تسفيه الخيار القومي وفق قراءة مبتورة للأدلة الشرعية فيما يتولى بعض القوميين تسفيه الاتجاه الإسلامي على أساس أنه رفض مبدأ حاكمية الله واقتراح لحكم الطواغيت.
بل إن المنطق الاتهامي إياه لم يتردد في التنكر للجهاد الوطني الذي خاضه أخصامهم ويمكن هنا أن نقرأ شهداء أيار نموذجاً فقد كان هؤلاء الشهداء في الواقع قرباناً عظيماً للحرية التي ينشدها شعب سوريا في كفاحه وجهاده، ولكن مع ذلك فإن حزب التحرير على سبيل المثال لا يرى فيهم إلا منتحرين شاردين، باعوا دينهم بدنيا غيرهم!!

مع أن اسم ساحة الشهداء (المرجة) يتم تناسيه في الخطاب الإعلامي والصحافي لصالح اسم المرجة ، أو مرجة الحشيش فإنه لا يمكن لأي مثقف أن يمر بالمرجة من غير أن يتذكر بالاسم والصورة ملامح ثلاثة وعشرين بطلاً بالتمام والكمال بعمائمهم وطرابيشهم وشواربهم المفتولة وهم يحملون على كاهلهم هموم هذه الأمة ، يتقدمون إلى أعواد المشانق بيقين، تملأ عيونهم رغائب الآخرة ، أليس هذا دليلاَ آخر على أن الشهداء لا يموتون ، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
وهنا يتعين أن نناقش الجانب المهموس الذي يتبناه فقه الظلام في جحوده لأكبر أبطال الحرية العرب من المسلمين والمسيحيين في هذا القرن في دمشق وبيروت.
إن الصورة التي جهد في تصويرها المعادون للقومية هي أن هؤلاء الشهداء إنما كانوا صنيعة بريطانيا (مكماهون) وأنهم قاموا بأدوار معادية الإسلام حيث ساهموا في إلغاء الخلافة (الراشدة) ! فكان ما عاقبهم به ولي الأمر (العادل) جمال باشا السفاح متناسباً مع (جريمتهم) !
إن تصوير الأماني القومية في مواجهة الأماني الإسلامية يعكس قصور نظر في النظرتين جميعاً ، يذكرك بالنكتة المشهورة : (أنت كردي أم مسلم؟) فالواقع أن الإسلام قدم تاريخياً أعظم خدمة للأمة العربية حينما طرح اللغة العربية لغة للحضارة والثقافة ، وهو ما يعني حكماً أنها أصبحت لغة العالم نحو ستة قرون ، والمشهد الثقافي للعالم الإسلامي اليوم كفيل بأن يفتح عيوننا على الحقائق المذهلة من الرصيد التاريخي الذي تحتفظ به الأمة العربية في قلوب العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط ، وبالمقابل فإن الأمة العربية قدمت للإسلام خيرة شهدائها ورجالها في الفجر الإسلامي الأول ولا يمكن أن يتنكر لها منصف عاقل بعد ما تواتر من النصوص الشريفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حب العرب ، وهكذا فإنه يسوغ لنا أن نتساءل بأي حق يوضع الوعي القومي في مواجهة أيديولوجية مع الإسلام ؟
هذه الثورة العربية الكبرى انطلقت من مكة ضد الأستانة ، يقودها رجل من آل محمد صلى الله عليه وسلم ضد رجل من آل عثمان طغرل ، وقودها أحرار شرفاء فيهم رجال دين وعلم وخدمة اجتماعية ، على رؤوسهم عمائم وعلى شفاههم مصاحف وفي قلوبهم إيمان ، يبتغون نصرة الإسلام كما يبتغون مجد العروبة ، ولم يكن وارداً عند مسلميهم ولا مسيحييهم الانفكاك من الحضارة الإسلامية ، وكدليل قريب على ذلك أنهم جاؤوا بالشريف حسين على أنه مشروع خليفة يبايعونه على كتاب الله الذي هو في ضرورة متلازمة : الحرية والوحدة والعزة والكرامة .
أتمنى على المتحف الوطني في سوريا أن يضم إلى مقتنياته عمامة الشيخ الشهيد أحمد طيارة وعمامة الشيخ الشهيد عبد الحميد الزهراوي كشاهدي عدل على انبثـاق هذه الثورة العربية من مقاصد الإسلام في الحرية والعدالة الاجتماعية .
إن الخلافة العثمانية التي كانت تعيش أيامها الأخيرة كانت أضعف من أن تحمي نفسها وكانت قد انتهت إلى محض غطاء رسمي لمكائد التتريك التي يقوم بها الاتحاديون الأتراك ، وليس ذلك محاباة من القدر لهذا الاتجاه الطوراني بل نتيجة استهتار وعبث استمر قروناً حيث عاش (الخلفاء) العثمانيون عشرات السنين في أجواء ألف ليلة وليلة من العبث والمجون فيما ترسف شعوبهم في المظالم والفقر والتخلف .
لقد كان التتريك الأتاتوركي قادماً لا محالة ، وعندما أعلن الرجل انتهاء الخلافة لم تجد هذه الأخيرة من يؤذن لها أو يصلي عليها وتم تشييعها إلى مثواها الأخير من دون أية مراسم جنائزية، وقال لهم لسان الحال:
فابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً              لم تحافظ عليه مثل الرجال
أنا لا أشك أن الخلافة الصورية (خلافة من؟) التي كانت تعيش النزاع الأخير حينئذ كانت جاهزة لتصدق بخاتم السلطنة المهترئ على سائر إنجازات أتاتورك بما فيها فرنجة الحروف التركية والأذان التركي ، وفرض البرنيطة ومنع الطربوش والحجاب من دون أي هزة ضمير مقابل الاحتفاظ بالتشريفات الصورية التي كانت تتقلب فيها ، كما صدقت على نصب أعواد المشانق وتشييد الخوازيق لمن يقاوم إرادة تركيا الطورانية في الهيمنة والنفوذ ، ولكن مصطفى كمال لم يجد فائدة حتى من هذا التأييد الشكلي الذي تجاوزته المرحلة منذ زمن بعيد.
هذا فإن متابعة بانورامية لتسلسل الأحداث هناك تستلزم رؤية نصب مشانق جديدة لأولئك الذين يرفضون أن يؤذنوا بالتركية أو يخلعوا عمائمهم باعتبار أنهم خارجون عن طاعة ولي الأمر العادل ، سلطان الله في أرضه ! ولست أدري حينئذ كيف سينظر فقه الظلام إلى هؤلاء الشهداء (البغاة) الذين يرفضون أن يصلوا خلف كل بر وفاجر ، ويرفضون أن يدعوا على المنابر لأولئك الذين يضربون وجوههم وأبشارهم ، ويأكلون أموالهم .
ومع ذلك فإن تقرير الحقائق الجلية في مرحلة سقوط الخلافة العثمانية لا ينبغي أن يحملنا على الجحود لموقف بالغ الأهمية وقفه السلطان عبد الحميد في خبره المشهور من مقاومة الإغراء اليهودي الذي كان حينئذ طامعاً في فلسطين عبر نفوذ يهود الدونمة في تركيا حين قدم هرتزل أشد العروض إغراء لذلك المسكين في أيامه الأخيرة ، كذلك الموقف الإنقاذي الذي حققه السلاطنة العثمانيون الأوائل في أعقاب الهوان الذي فرضه عبث المماليك واستهتارهم على الأمة العربية والإسلامية ، وهو الأمر نفسه الذي نشير إليه فهذا الإنجاز الاشتراكي الهائل الذي حققه مماليك مثل المظفر قطز وبيبرس في وجه المغول لا يشفع أبداً لأحفادهم من المستهترين الذين أصبحوا بعد نحو ثلاثة قرون علقة شقاء للشعب في معاناته وقهره وقمعه.
إننا نحني رؤوسنا لشهداء أيار مرتين مرة للدماء الذكية التي بذلوها ، وأخرى للجحود المريب الذي يتلقى به دعاة الظلام جهادهم واستشهادهم في سبيل الحق والكرامة والنور والتي هي بدون ريب سبيل الله .

إن التأكيد على المنتج الحضاري الإسلامي هو نتاج طبيعي يقع في مركز الفعل للأداء القومي، وهنا أسمح لنفسي أن أستعير ما كتبته قبل فترة في تشرين جواباً على سؤال: لماذا نحتفل بالنبي الكريم:
إذا أردنا أن نجيب كوطنيين ، فإن من المؤكد أن هذه الأرض الطيبة عانت قبل الإسلام لثلاثة عشر قرناً من الاستعمار الرومي واليوناني والفارسي أحياناً ، وفي غبار هذا التسلط الأوربي على بلادنا فإن أول مرة يحكم فيها أبناء هذه الأرض أنفسهم إنما كانت يوم وصل الفتح العربي الإسلامي إلى هذه البلاد على أيدي الصحابة الكرام ، ورغم أن سوريا قدمت لروما أباطرة وبابوات ولكن ظل الحاكم السوري يعين من روما وبيزنطة وأثينا وظلت مواهب السوريين قابعة في الظل على أساس أنهم لا يجري فيهم الدم الآري ، وأنت عارف بأن المندوب السامي مهما كان (سامياً) فإنه متهم في إخلاصه للارض والناس .
وكحدث ذي دلالة أورده ابن كثير قي البداية والنهاية فإن دمشق الشام حوصرت من قبل الصحابة سبعين يوماً قبل أن يتم تحريرها ، وكان من خبر الفتح أن أبناء دمشق الذين كانوا يعانون من جور الروم ، كانوا يطلعون خالد كل يوم سراً بأنباء القوم ، وتم لهم الفتح عندما رزق حاكم دمشق يومها واسمه نسطاس بن نسطورس مولوداً ، ومن أجل ذلك أقام فرحاً هائلاُ وأحيا تلك الليلة بالسهر والصخب إلى الصباح من دون أي مبالاة بحصار البلد والوضع العسكري الاستثنائي وعند الصباح كان خالد بن الوليد يطرق أبواب مدينة دمشق بالفتح المبين ، ولأول مرة في تاريخ الشام تحكم هذه الأرض بيد أبنائها الأصليين العرب الذين سكنوها منذ آلاف السنين بعد أن تغلبت على إرادتهم فيها مطامع الاستكبار العالمي لقرون طويلة .
وإذا أردنا أن نجيب كقوميين ، فإن هذه الأرض لم تستعد عافيتها القومية إلا على يد الفاتحين من أصحاب النبي الكريم ، وبدونهم فإن أرض الشام كانت ماضية إلى فرنجة مبرمجة بغرض تمييع شخصيتها وإذابة كيانهها الثقافي واللغوي ، وكانت الرومية قد أصبحت لغة الدواوين ، وأوشكت العربية أن تصبح غريبة في عقر دارها ، بعد أن تعاقب عليها العديد من أشكال الهوان اللغوي والتاريخي ، ولأول مرة منذ قرون طويلة تعود العربية إلى دورها الرائد لغة الإدارة والثقافة والحكم .
بالمناسبة فقد أصبح من الضروري الخلاص من الفكرة الضبابية التي تحيط بتاريخنا وتصور الشعوب (السامية) التي سكنت المنطقة ومنهم الأكاديون بفرعيهم الكلداني والبابلي والإيبليون والفينيقيون والكنعانيون على أنها شعوب غير عربية وأن الفتح الإسلامي هو الذي جاء ب(الضيوف) العرب إلى المنطقة وهذا زيغ تاريخي افتراه المستشرق النمساوي شلاوزر حين بدأ باستخدام لفظة (الشعوب السامية) كمصطلح أبستمولوجي لأول مرة بعد أن كانت محض ميثولوجيا تاريخية.
وهنا أشير إلى دراسة جد هامة وهي كتاب فقه اللهجات العربيات للصديق الدكتور بهجت قبيسي حيث تولى بالبحث العلمي الدؤوب من خلال الرقم والآثار تعرية هذا الوهم الذي نمارسه وندرسه دون أن ندري أننا ننسف به وجودنا القومي من أساسه ، وقدم الأدلة الواضحة من الرقم والمخطوطات المادية لإثبات أن الآرامية والبابلية والكلدانية والسريانية وغيرها ليست إلا لهجات عربية غير عدنانية ، وأن تفاوت بعضها عن العربية السائدة ليست إلا مسألة لهجات، وأنها في النهاية ليست إلا اللغة العربية بالحامل الإقليمي .
وهكذا فإن كل شواهد التاريخ تؤكد أن الفتح الإسلامي الذي أطلقه النبي الكريم هو الذي حفظ عروبة المنطقة ، وحين جاء الفاتحون المسلمون وبأيديهم القرآن الكريم ينطق بلسان عربي مبين فإنهم كانوا يمارسون دوراً إنقاذياً هائلاً على صعيد وجودنا القومي ، ويمكن القول بدون أدنى مبالغة أنه لا يوجد مدرسة واحدة تدرس العربية في طول الوطن العربي وعرضه إلا وهي مدينة للنبي الكريم وللصحابة الفاتحين ، ولولاهم لكنًا ندرس اليوم اللغة الرومية أو اليونانية!
بل إن امتداد اللغة العربية في الأرض عبر العالم الإسلامي وجعلها لغة العلم والحضارة لأكثر من ستة قرون وتدوين التراث الإسلامي من الهند وآسيا الوسطى إلى الغرب الأفريقي باللغة العربية دون سواها على الرغم من انتشار عشرات اللغات والقوميات في تلك المناطق وهو ما منح اللغة العربية دوراً معرفياً رائداً في الأرض كل ذلك لا يمكن تفسيره موضوعياً دون الانطلاق من مولد الرسول الكريم .
وإذا أردنا أن نجيب كحضاريين نؤمن بالإنسان فإن دمشق لم تأخذ دورها الحضاري اللائق بها إلا بعد وصول أصحاب النبي الكريم ، حيث كانت قبل ذلك ولقرون طويلة تعامل كتابعة تسويقية لروما ، أو ضيعة غناء في طرف صحراء شرقية، أو محض أرض طقوسية دينية تصلح للرهبنة والتزهد ، وهكذا فإنك تجد فيما تركه الرومان هنا المعابد والأديرة والآلهة وقنوات المياه دون أن تجد مدرسة أوبيمارستان أومكتبة تعكس دوراً حضارياً للمنطقة ولكن سرعان ما أصبحت دمشق مع وصول الصحابة الكرام إليها عاصمة حضارة هائلة تمتد من طليطلة إلى السند وتملأ أطراف الأرض بالعطاء الحضاري والمعرفي .
وإذا أردنا أن نجيب كمؤمنين فبحسبك أن تقرأ في القرآن الكريم : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين

نقد الفكر القومي:
أولاً:
لم يكن ثمة أدنى شك عند حملة المشروع القومي العربي أنهم يمثلون طموح النخبة من أبناء الأمة العربية ولذلك فإنهم مضوا إلى اختزال الأمة العربية في فكر الحزب الواحد، ولست أدري أبسم لهم الزمان أم عبس في شهري شباط وآذار من عام 1963 حين بوأهم أدوات السلطة في بلدين عربيين هامين هما سوريا والعراق، ولا شك أن الانتصارات المتسارعة قد أسهمت في إضعاف تيار النقد والإصلاح للمسار القومي الأمر الذي أدى إلى قيام فلسفة الحزب الواحد، وهي قراءة لا يمكن تطبيقها إلا بقدر غير قليل من العسف وهو ما عانى منه القطران الشقيقان إلى أن أعلنت سوريا تجاوز مرحلة الحزب الواحد ودخول مرحلة الحزب القائد.
ولكن مرحلة الحزب القائد بدورها حالت دون تطور مفترض ومنتظر في الحراك الوطني، وأعتقد أن المشروع الذي حمله الرئيس بشار الأسد قرر تجاوز هذه المرحلة فيما يمكن أن نسميه اليوم مرحلة الحزب الرائد بعد أن أنجزت القيادة القطرية مشروعها المتمثل بإقرار التعيين حسب الكفاءات وليس حسب الولاءات، ولا أشك أبداً أن الحزب لن يتمكن من أداء رسالته القومية المجيدة إلا بعد أن يتساوى في استعمال أدوات السلطة مع سائر الفعاليات السياسية في الوطن، ويتيح أفقاً أكبر للمشاركة السياسية عبر النضال الديمقراطي بتفاصيله المتكافئة، وإلا فكيف يفسر الإجماع الوطني على انتهاج السلوك السياسي القومي البعثي في العراق وسوريا لعدة عقود، في حين أنه لم يحظ إلا بدور جد محدود في البلدان العربية الأخرى، ولم يجد في كثير منها من يرفع شعاره ولو على هيئة أفراد أو جمعيات.
ثانياً:
إن استدبار المشروع القومي للروح الدينية إسلامية ومسيحية لم يكن عملاً حكيماً، وعكس في الواقع قراءة جد مبتورة للرصيد الحضاري الذي تزخر به بلاد الشام لجهة كونها أرضاً مباركة ومقدسة من وجهة نظر الشعوب المؤمنة إسلامية ومسيحية على السواء.
وهكذا فقد أسهم المشروع القومي من حيث يريد أو لا يريد في طرح نفسه كمشروع ماركسي في نكرانه لرسالة الدين، دون أن ينتبه إلى أن الماركسية التي تبيأت في أوروبا وروسيا إنما كانت تقامر بتراث غيرها ولم تكن تتنكر لتراثها، ولا أشك أبداً أن السيد المسيح لو كان ألمانياً أو روسياً لما استطاع الماركسيون أن يتنكروا لرسالته ومجده، ولكان ذلك بكل تأكيد لوناً من الحماقة السياسية والتفريط الوطني، وهو ما أدركه الماركسيون فيما بعد وعلى الرغم من حتمية الصراع مع الغيب في المنطق الماركسي فإن الماركسيين في بلادنا صاروا يفضلون أن يعلنوا فك الارتباط بين الإيديولوجيا والممارسة السياسية في كفاح الكادحين، وسقط بشكل مريع نضال الرفاق التقدميين في اليمن الحضرمي لهذا السبب تحديداً.
إن أعظم الرصيد الحضاري الذي تم إنجازه تاريخياً إنما أنجز على خلفية دينية، فالإسلام وحده هو الذي دفع حركة الإبداع في عصر المجد الحضاري العربي، بل هو الذي دفع رواد ذلك المنجز الحضاري لتدوين منجزهم باللغة العربية وفاء مع الانتماء الإسلامي.
ويجب القول إن أربعة أخماس الحضارة المدونة بالعربية إنما تم إنجازه بيد علماء غير عرب نسباً ولكنهم خلدوا إبداعهم بالعربية وفاء للرسول الكريم ورسالة القرآن.
ويشكل العالم الإسلامي اليوم العمق السياسي الاستراتيجي للأمة العربية، حيث تقوم المنظمات الإسلامية بتدريس اللغة العربية في كل مكان في العالم وذلك من دون أي دافع قومي وإنما على خلفية دينية محضة.
كما أن الموقف السياسي للشعوب الإسلامية لا يزال إلى اليوم أكبر رصيد حقيقي لدعم قضايانا العادلة في فلسطين والعراق.
ثالثاً:
تم طرح فزاعة الأقليات، وأحياناً تشجيعها على التمرد على الدور الإسلامي وذلك بغية استنتاج ضرورة تغييب دور الدين في الحياة، على أساس أن الإسلام يشكل تغييباً لدور الأقليات الدينية المختلفة ، ويعكس هذا الطرح تشويهاً لما مارسه الإسلام عبر التاريخ من حماية حقوق الناس ورعاية الأقليات على اختلافها.
ويكفي هنا أن أشير مثالين اثنين لتأكيد منطق الإسلام في التعاطي مع مسائل الأقليات المختلفة دينياً،فقد كتب النبي الكريم أول دستور في المدينة ونص فيه على أن محمداً ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن عاهده من يهود بني عوف أمة واحدة دون الناس.
وواضح أن الاختلاف في الاعتقاد بين محمد واليهود بلغ الغاية ولكن ذلك لم يحل دون قيام وطن يجمع الفريقين على أساس المواطنة التي لا تمايز بين ولاء ديني وأخر.
والمثال الثاني أستعيره من صلح الحديبية فقد عقد النبي عهده مع قريش على أساس سياسي لا على أساس ديني، وأقر بالموافقة على إيقاف التبشير بالإسلام في أرض مكة بل وافق على رد من جاءه مسلماً من قريش إذا لم يكن قد حصل على موافقة عشيرته من المشركين بالطبع، ولكن أهم ما في العهد كان نصه على أن من شاء أن يدخل في حلف محمد وعهده دخل فيه ومن شاء أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل فيه، ودخلت خزاعة في عهد النبي الكريم، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، وهكذا فقد أصبح لخزاعة وهم وثنيون مشركون سائر الحقوق السياسية التي كان يتمتع بها أبو بكر وعمر، وكشاهد على ذلك فإن فتح مكة لم يكن في الحقيقة إلا نصرة لقبيلة خزاعة التي أوفدت وافدها عمرو بن سالم لينجز معاهدة الدفاع المشترك وفق عهد الحلف الذي كان بين خزاعة والنبي الكريم، حيث قاد النبي الكريم جيشاً من عشرة آلاف مقاتل لينتصر لعمرو بن سالم وتم إنجاز فتح مكة في الواقع على هذه الخلفية.
ويوم أمس تحديداً ناقش الطالب القبطي المصري رسالة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية في الأزهر في إشارة واضحة إلى اندغام المجتمع المسيحي في روح الحضارة الإسلامية وهو تأكيد على ما أصبحنا نسمعه كل يوم من المسيحيين المتنورين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم مسيحيون عقيدة إسلاميون ثقافة وحضارة.
على أن مسألة الأقليات لم تجد علاجها على الإطلاق في الحل القومي فالأقليات القومية لا تقل إعضالاً عن الأقليات الدينية وقد أدى المنطق القومي الاستعلائي في العراق إلى تفتيت الوطن تحت عنوان المسألة الكردية، وهو منطق عانت منه تركيا القومية بمرارة، وستعاني منه كل دولة تؤسس لاستعلاء المنطق القومي على القوميات الأخرى، مهما حاولت تجميل ميزها القومي بمساحيق تصالحية، ومهما حاولت تبرير استعلائها القومي بشواهد تاريخية.

 

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية