السادة
الحضور أسعد الله أوقاتكم بكل خير...
اسمحوا لي في البداية أن أتقدم بجزيل
الشكر إلى دار البعث ولمن يقوم على
هذه الدار ولكل السادة المعنيين بتنظيم
مثل هذه الندوات المفيدة جداً في
هذه المرحلة، لأنها مفيدة جداً في
هذه المرحلة كما كانت الحال دائماً
حقيقةً، عندما علمت بأن عنوان هذا
اللقاء هو التكامل الاقتصادي العربي
واقع ومستقبل شعرت بنوع من الارتباك
لأن هذا الموضوع هو من الموضوعات
السهلة الممتنعة، السهلة بمعنى أن
الأمور واضحة إلى درجة عالية في مجال
فشل هكذا نوع من العمل العربي المشترك،
وصعبة لأنها تحتاج في كثير من الأحيان
إلى تناول مثل هذا الموضوع من زوايا
متعددة لا تقتصر فقط على زاوية الاقتصاد،
نقطة ثانية كنت دائماً أرغب في أن
أتحدث في موضوعات اقتصادية تصلني
في نهايتها وتصل من يجتمع أو يشارك
إلى هامش أكثر من التفاؤل، بمعنى
إمكانية أن يتقدم هذا المنتدي أو
المتداخل أو الباحث بآراء قد تبعث
بعض الأمل في نفوس الناس، مرة ثانية
هذا الموضوع لا يبعث على الأمل وكلكم
يعرف ماذا يحصل الآن على الساحة العربية
مجتمعة، هذا لا يعني أنه يتوجب علينا
الهروب نحو الأمام وعدم مواجهة هذه
الحقيقة لأن الهروب لا يساعد على
الخروج من الأزمة، وإنما هكذا موضوعات
تتطلب مناقشات أكبر، ودخول في التفاصيل
بقدرٍ عالٍ، كي نتمكن من أن نصل إلى
تقديم اقتراحات قابلة للتطبيق ولو
بشكل تدريجي وخجول.
موضوع " التكامل الاقتصادي العربي
واقع ومستقبل "، نحن نقترف خطأً كبيراً
عندما نناقش مثل هذا الموضوع استناداً
لتجارب الدول الأخرى، لا يمكن لنا
أن نناقش موضوع التكامل الاقتصادي
العربي استناداً إلى تجربة حصلت في
دول أوربا الغربية ولا حتى في مناطق
أخرى من العالم، إذا درسنا التفاصيل
الأخيرة التي حصلت خلال العقدين أو
الثلاثة الفائتة في ما حققته تلك
البلدان غير الأوربية التي كانت من
بلدان العالم الثالث من نجاحات على
مستوى الإصلاح الاقتصادي، وأقصد بذلك
أن الدول التي نجحت نسبياً في موضوع
التكامل الاقتصادي فيما بينها، وصولاً
إلى خلق سوق موحدة حققت جملة من الشروط
الموضوعية والذاتية، من أهم هذه الشروط
الموضوعية هو وصول تلك البلدان إلى
مستوى تنموي يسمح لها بأن تفتح أسواقها
وأن تنجز هكذا نوع من التكامل.
الشرط الموضوعي الثاني أن ما تتميز
به اقتصادات هذه البلدان من ميزات
نسبية وتنافسية، في غالب الأحوال
كانت متكاملة وليست متعارضة فيما
بنيها، علاوة على جملة من الأسباب
التي تندرج تحت لواء الشروط الذاتية،
والتي كانت تشكل دافعاً قوياً أدى
إلى خلق إرادة قوية من أجل إنجاح
هكذا عمل مشترك فيما بينها.
أحد الشروط الموضوعية أيضاً هو الفترة
الزمنية الطويلة التي سبقت إنجاز
هكذا نوع من العمل المشترك في تلك
البلدان والمرتبطة بعملية تحقيق القفزة
النوعية في ما يدعى بتطوير الاقتصاد
استناداً لتطوير القطاع الصناعي،
كل هذه البلدان حققت انتقالاً بدرجات
متفاوتة، انتقالاً ناجحاً من الاقتصاد
الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي، وعملت
عليه فترة طويلة، وحققت مكتسبات متبادلة
على المستوى الاقتصادي، ساهمت هذه
المكتسبات في مرحلة لاحقة من إنجاح
هكذا عمل مشترك عندما علمت أن القدرة
الإنتاجية التي وصلت إليها تلك الاقتصادات
من خلال التطور التكنولوجي الهائل
ساهمت في زيادة حجم البضائع والسلع
والخدمات إلى درجة تفوق بنسبة كبيرة
قدرة السوق المحلية، فباتت الحاجة
ملحة للبحث عن الأسواق، الأسواق المتوفرة
في العالم قسمت إلى قسمين:
القسم الأول له علاقة بأسواق بلدان
العالم وبالتالي يجب غزو هذه الأسواق
واجتياحها، وهي في غالبيتها أسواق
ضعيفة النمو إن لم نقل متخلفة وفقيرة،
وبالتالي عطشى لكل أنواع السلع.
والقسم الآخر من الأسواق هو أسواق
الدول ذات الاقتصادات التي تمتلك
مستوى تنموي يقارب المستوى التنموي
للبلد المعني. فلجأت إلى بحث إمكانية
التكامل مع هذه الأسواق من خلال خلق
حالة من المنافع المتبادلة، نقدم
لكم جملة من المزايا بفتح أسواقنا
لنحصل على جملة من المزايا والمكاسب
من خلال فتح أسواقكم.
إذن، صارت هذه العملية مستندة إلى
شروط موضوعية وذاتية كما ذكرت، وإلى
أرضية نظرية عملت عليها المدارس الاقتصادية
المختلفة، بدءاً من المدرسة الاقتصادية
الكلاسيكية والكل يعرف في موضوع التجارة
الدولية، نظرية الكلفة المقارنة،
ومن ثم ريكاردو التكلفة النسبية،
وبعد ذلك جملة من المساهمات، كان
آخر هذه المساهمات التي أودت إلى
خلق هذا النوع من التكامل هي مساهمة
الاقتصاد الشهير " بيلا بلاكسا "
الذي تحدث عن أن التكامل الاقتصادي
بين مجموعة من الدول لا بد وأن يمر
في عدد من المراحل، المرحلة الأولى
لها علاقة بخلق منطقة تجارة حرة بين
البلدان المعنية، والمقصود بها حرية
حركة وانتقال السلع والخدمات بين
هذه الدول، بعد ذلك ولكي تصبح المنافسة
بين هذه الدول أكثر عدالة تتجه إلى
المرحلة الثانية المدعوة بالجدار
الجمركي أو الاتحاد الجمركي، بمعنى
إيجاد تعرفة موحدة تجاه العالم الخارجي.
النقطة الثالثة هي السوق المشتركة:
لو عدنا إلى التجربة الأوربية وهي
التجربة الأنصع في هذا الموضوع، لعرفنا
بأن هذه التجربة الأوربية بدأت في
معاهدة روما عام 1957 التي أسستها
6 دول (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا،
هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ) ومن ثم
نمت وترعرعت هذه التجربة وعانت من
مشكلات مختلفة، كانت دائماً تحاول
أن تحقق حلولاً لهذه المشكلات، فقط
في 1968 يعني بعد 12 عاماً وبعد أن
انضمت ثلاث دول أخرى في عام في بداية
1962 إضافة إلى جملة من الاتفاقيات
الشراكة بين هذه المجموعة الأوربية
ودول أخرى كتركيا واليونان وقبرص،
ودول أخرى، فقط في 1968 تمكنوا من
أن يحققوا الاتحاد الجمركي، وبعد
ذلك اشتطت الأمور وتعرقلت وتطورت
حيناً وتباطأت أحياناً أخرى بسبب
المشكلات النقدية بين هذه الدول،
فالكل يعرف أنه في الخامس عشر من
آب عام 1971 انتهى العمل بنظام النقد
الدولي القائم على أسعار الصرف الثابتة،
الذي أسس له مؤتمر بريتن وودز في
1944 وكانت من حصيلته أن الدولار
أصبح عملة العملات، فدخلت الأنظمة
النقدية في الدول الأوربية الموجودة
في المجموعة الاقتصادية في حالة من
التعويم المستمر، والعمل على إيجاد
نظام نقدي أوربي، فتمت عملية إرساء
مجموعة من القواعد التي تعثرت أحياناً
ونجحت أحياناً أخرى وعلى رأسها الثعبان
في النفق الأوربي، واتفاق جامايكا
في 1976 إلى أن وصلنا في 1978 إلى
نظام النقد الأوربي، بعد أن تم إرساء
نظام النقد الأوربي وتبني وحدة نقدية
أوربية اسمها (FPU) تم العمل في 1991
على -طبعاً- داخل هذا النفق الثعبان
خرج من هذا النفق عدة مرات من قبل
هذه الدولة أو تلك وعاد. المهم إلى
عام 1991 واتفاقية ماستريخت التي
أرست المرحلة الأخيرة من خلق ما يدعى
بالاتحاد الأوربي عبر مراحل ثلاث
لها علاقة بالاتحاد الاقتصادي والنقدي،
هذا يعني مع توافر الشروط الموضوعية
بشكل عام لجملة البلدان المؤسسة لهذا
الاتحاد الأوربي وكذلك الذاتية المرتبطة
بالتصميم والإرادة من قبل هذه الدول،
استغرقت العملية حتى ظهور اليورو
والاتحاد الأوربي فعلياً على أرض
الواقع من 1957 إلى 2000 أي أكثر
من ثلاثين عاماً.
لندع هذا الجانب، التجربة الأنصع
في موضوع التكامل الاقتصادي بين دول
الاتحاد الأوربي حالياً ولسنا في
صدد الحديث عن التفاصيل الأخرى، لنعود
إلى المنطقة العربية، المنطقة العربية
حصلت الدول العربية على الاستقلال
بالتدرج بعد الحرب العالمية الثانية،
ومنذ ذلك التاريخ تم تأسيس جامعة
الدول العربية وكان مشروعاً يحتمل
الانتقاد ويمتلك جزءاً من السلبيات،
يقال دائماً بأن من كان وراء هذا
المشروع هو المملكة المتحدة (بريطانيا)
لأن أحد البنود الرئيسة المؤسسة لهذه
الجامعة الحفاظ على استقلالية هذه
الدول المشكلة لهذه الجامعة وعدم
التدخل في شؤون بعضها البعض، بمعنى
أنه يمكن أن تفهم هذه المادة بأنها
تكريس للقطرية، وهذا ما كان يخالف
الفكر القومي العربي الصاعد بعد الحرب
العالمية الثانية.
من جهة أخرى إيجابية شكلت هذه الجامعة
مركزاً لمناقشة كل القضايا المرتبطة
بشؤون الدول العربية لاسيما في الشأن
الاقتصادي فكان مجلس الوحدة الاقتصادي،
وكان السوق العربية المشتركة في تواريخ
مختلفة ولكن كما هو معروف بقيت بشكل
دائم حبراً على ورق.
بقيت حبراً على ورق لجملة من الشروط
الموضوعية والذاتية، الذاتية: ضعف
التصميم والإرادة أو غياب حتى الإرادة
السياسية على إنجاح هكذا تجربة والكل
يعرف هذا الموضوع، والخلافات التي
كانت تنشأ بحيث أن الخلاف الشخصي
بين القادة أو السياسي المرتبط بالأيديولوجيات
المختلفة التي حكمت تلك الدول أو
أي عنصر آخر كان حاسماً في موضوع
إيقاف العمل الاقتصادي المشترك، بمعنى
أن السياسة في تلك المنطقة حكمت الاقتصاد.
من وجهة نظر موضوعية البلدان العربية
لنقل أنها كانت ولا تزال في طريق
النمو الاقتصادي، بمعنى أن مستويات
التنمية الموجودة في تلك البلدان
كانت منخفضة، وهذا يعرقل بشكل قوي
إمكانية تكامل هذه الاقتصادات المهلهلة
والمفككة، وفي كثير من الأحيان التابعة
لدول مركزية في العالم، أهم مركز
كانت تتبع له ولا تزال الدول العربية
مجتمعة على المستوى الاقتصادي والتجاري
هو دول أوربا الغربية، وهذا أمر معروف
من خلال الأرقام التي تشكلها صادرات
وواردات هذه الدول العربية باتجاه
دول الاتحاد الأوربي اليوم ومن الفترة
السابقة أيضاً.
شروط أخرى موضوعية كانت وراء عدم
نجاح إن لم نقل فشل هذه العمليات
الهادفة إلى تحقيق التكامل الاقتصادي
العربي هو تشابه هذه الهياكل الاقتصادية
المتخلفة بين الدول العربية، تشابه
من حيث المنتجات، فهي منتجات تنافس
بعضها البعض ولا تتكامل، وهي منتجات
في غالبيتها تمثل بمواد أولية، مواد
يعني لاسيما الكل يعرف أن النفط هو
الذي يشكل الجزء الأكبر، وأي نفط؟
النفط الخام غير المصنع، غير المضاف
عليه قيم مضافة، ودرجت العادة في
تلك الفترة أن دولة ما عربية إذا
رغبت في إقامة مشروع استراتيجي تسارع
الدولة العربية الجارة في إقامة مثل
هذا المشروع، فتتنافس الدولتان بدلاً
من أن تفكر إحداهن في إقامة مشروع
مكمل، ذلك يرتبط في غياب العناصر
الذاتية، الشروط الذاتية المحكومة
بالأيديولوجيات المختلفة، المحكومة
بضعف الإرادة السياسية، المحكومة
بالارتباطات مع العالم الخارجي وأقصد
بذلك هو تبعية الأنظمة العربية سياسياً
واقتصادياً إلى دول مركزية في العالم.
جملة هذه المعوقات على المستوى الموضوعي
وعلى المستوى الذاتي أدت إلى عرقلة
العمل الاقتصادي العربي المشترك بكل
أبعاده وبكل درجاته بما فيه الحدود
الدنيا لمثل هذه اللقاءات الاقتصادية،
فطبعاً صدرت جمل في تلك الفترة لقبت
السوق العربية المشتركة بالسوء -استخدموا
الهمزة عوضاً عن القاف- صدرت شعارات
عن جامعة الدول العربية على سبيل
الانتقاد السلبي أنهم دائماً عندما
يجتمعون " نعم للقرارات ولا للتنفيذ
" إلخ من جملة الطرائف أو الطرف التي
تشير إلى واقع عمل عربي مشترك متعثر
ومتأخر بالمقارنة مع ما يحصل في العالم،
في الفترة نفسها وعلى التوازي مع
ما حصل في دول أوربا الغربية وفي
الدول العربية كانت هناك مناطق أخرى
في العالم تسعى مجتهدة لإنجاح إصلاحات
اقتصادية في كل دولة على حدة ولنجاح
عمل اقتصادي مشترك فيما بينها، أخص
بالذكر تجمع آسيان بين مجموعة من
دول جنوب شرق آسيا، هناك أيضاً كانت
عمليات من أجل إنجاح مثل هذا العمل
الاقتصادي المشترك في دول أمريكا
اللاتينية، الدول الأفريقية كانت
أيضاً متعثرة بدرجة مرتفعة ومرتبطة
حكماً إن كان عبر النقد في الدول
الأوربية وإن كان عبر التبادل التجاري
أيضاً مع هذه الأسواق المركزية فهي
دول واقتصادات طرفية.
عندما حصلت التحولات على المستوى
العالمي مع بداية عقد التسعينيات
حيث يرمز لنهاية الحرب الباردة أو
النظام العالمي القائم على القطبية،
يرمز إلى نهايته بانهيار جدار برلين
في شهر تشرين الثاني من عام 1989،
وبعد ذلك تتالت الأحداث وسقطت هذه
الأنظمة التي كانت تقوم في اقتصادياتها
على التخطيط المركزي والشامل، نقول
إنه مع بداية عقد التسعينيات بدأت
محاولات جديدة في رسم معالم الاقتصاد
العالمي (العولمة)، الصفة الرئيسة
على المستويين السياسي والاقتصادي
هو أن الولايات المتحدة الأمريكية
تملك غالبية الشروط التي تخولها في
أن تقوم بدور القائد للاقتصاد العالمي،
أنا أحب فقط أن أقول بأن الولايات
المتحدة الأمريكية تنتج سنوياً أكثر
من ربع إنتاج العالم، يعني الناتج
المحلي الإجمالي للولايات المتحدة
الأمريكية أكثر من ربع إنتاج العالم،
اقتصاد مفتوح، كبير، ومتشابك مع اقتصادات
دول العالم الرئيسة (الاتحاد الأوربي
وآسيان)، وبالتالي هناك تشابك، هذا
التشابك يشير إلى أنه عندما يزدهر
الاقتصاد الأمريكي فإن هذا الازدهار
يؤثر على تشغيل الاقتصاد العالمي
بمعنى أن الاقتصاد الأمريكي هو "
دينامو " الاقتصاد العالمي، وعندما
يتعثر ويمر بفترات ركود يؤثر على
ركود في الاقتصاد العالمي، أقول ركود
وازدهار بالنسبة للاقتصادات القوية
على المستوى العالمي التي تتأثر بالاقتصاد
الأمريكي، ولكن على مستوى الاقتصادات
الضعيفة، الجملة التي توصف هذا الموضوع
(لا أذكر من قال هذه الجملة)، "عندما
تصاب اقتصادات الدول المتقدمة بالزكام
تصاب اقتصادات الدول الفقيرة بذات
الرئة "، فقط الإشارة من وجهة نظر
رمزية، فإذاً نحن الآن في هذه الأجواء
العالمية على المستوى الاقتصادي عولمة،
أدوات هذه العولمة، WTO منظمة التجارة
العالمية تسعى لفتح الحدود، لأن الاقتصادات
القوية من مصلحتها فتح الحدود، ولفتح
الأسواق، أمام هذه العولمة وأمام
فتح الأسواق نرى بوضوح التحرك باتجاه
التكتلات الاقتصادية، الكل يعرف التكتلات
الاقتصادية، النافتا، الولايات والمكسيك
وكندا ولها أيادي تسيطر على اقتصادات
أمريكا اللاتينية، الاتحاد الأوربي
يضم القسم الأكبر من دول أوربا الشرقية
اليوم، ويدخل في شراكات مع جنوب المتوسط
" آسيان " ينفتح نحو دول أخرى جنوب
شرق آسيا، هناك إذاً تكتلات، نحن
نعيش في عصر التكتلات، لأن الاقتصاد
الوحيد المنعزل لا يمكن أن يعيش بهذه
الأجواء.
ضمن هذه الأجواء تطور العمل الاقتصادي
العربي المشترك، ونجح في تحقيق الخطوة
الأولى التي توجهنا باتجاه التكامل
الاقتصادي العربي، هذه الخطوة كما
تعرفون هي منطقة التجارة العربية
الحرة الكبرى، التي تم التوقيع عليها
من مجموعة من البلدان العربية مع
بداية 1997 على ما أعتقد، وعلى أساس
تخفيض الرسوم الجمركية 10% كل سنة
لنصل في 2007 إليها، وعندما لاحظوا
أن الأمور تسير بشكل مقبول سرعوا
من العملية كي تدخل منطقة التجارة
العربية الحرة الكبرى حيز التنفيذ
الفعلي مع 1/1/2005، من حيث المبدأ
نظرياً دخلنا في هذه المنطقة، هناك
جملة من القضايا التي لا تزال عالقة
-أعتقد من وجهة نظري الشخصية- أنها
بسيطة وطبيعية وحصلت في كل التجارب
الأخرى، المشكلات التي نعاني منها
اليوم لا تزال قائمة، الاقتصادات
العربية لا تزال التجارة البينية
فيما بينها تتراوح بين 7-9% سنوياً،
ولا تشكل سوى أقل من 10% من إجمالي
التجارة العربية مع العالم.
فإذاً لا تزال الدول العربية مجتمعة
تشكل طرفاً في هذا الاقتصاد العالمي
يدور في فلك المركز، المركز بالنسبة
للدول العربية كان ولا يزال حتى هذه
اللحظة هو الاتحاد الأوربي، ولكن
هناك شروخاً تحصل في الفترة الأخيرة
كي يتحول هذا المركز بقوة باتجاه
الأطلسي، باتجاه الولايات المتحدة،
هذا ما نلحظه الآن عن الاجتهاد الكبير
الذي تقوم به الإدارة الأمريكية لعقد
اتفاقات تجارة حرة مع كل دولة عربية
على حده، بهدف تحقيق خرق في اتجاهين:
الاتجاه الأول له علاقة في إفشال
التكامل الاقتصادي العربي عن طريق
هذا الخرق ولا داعي للاسترسال في
موضوع الكويز وخلاف ذلك، والخرق الثاني
هو نقل مركز هذا العالم العربي من
شرق الأطلسي إلى غربه، كما حصل وانتقلت
كل الأمور من شرق الأطلسي إلى غربه،
إلى نيويورك وواشنطن.
إن هذه الأجواء وأكثر من أي وقت مضى
يعتبر العمل الاقتصادي العربي ضرورة
حتمية لنتمكن من إرساء هذه المرحلة
الأولى إرساءً جيداً لحل المشكلات،
لتقوية الاقتصاد، لإنجاح الإصلاحات
الاقتصادية في الدول العربية مجتمعة،
وليس في سورية فقط، الإصلاحات دائماً
ومستمرة في كل دول العالم، وأكثر
إلحاحاً في الدول العربية عامة، وسورية
خاصة.
إنجاح هذه الخطوة يساعد على الدخول
قريباً في المرحلة الثانية، الاتحاد
الجمركي -هذا ما نأمل- والوصول إلى
المرحلة النهائية، مرحلة السوق العربية
المشتركة.
-أنا فقط معلومة أخيرة- احتراماً
للوقت: تنتج الدول العربية مجتمعة
سنوياً ما يقارب 2.1 من إنتاج العالم،
كندا لوحدها تشكل الدولة السابعة
الأغنى في العالم استناداً إلى معيار
الناتج المحلي تنتج 2.3، (روسيا،
روسيا البيضاء، أوكرانيا) ينتجون
2.3 أكثر من كل الدول العربية، بما
فيها الدول النفطية، الدولة السادسة
الأغنى في العالم إيطاليا تنتج ما
يقارب 4.9 من إنتاج العالم، وفي السنوات
القليلة الماضية إسبانيا تجاوزت الدول
العربية وتجاوزت كندا وتجاوزت الدول
الثلاث روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا.
فإذا أردتم أن تعرفوا أن الولايات
المتحدة هي الدولة الأولى، تليها
اليابان 15%، تليها ألمانيا 8%، تليها
فرنسا بحدود 6%، المملكة المتحدة
5.8-5.9 (تتذبذب هذه النسبة من سنة
إلى أخرى) علينا أن نعرف أن هذه الدول
الست الأغنى في العالم + الدول التي
ارتبطت معها بتكتلات الاتحاد الأوربي،
النافتا، اليابان مركز تجمع آسيان
ينتجون ما يقارب 80% من إنتاج العالم
سنوياً، وعدد سكانهم يمثل 20% من
سكان العالم. في المقابل 80% من دول
العالم تنتج 20% وعدد سكانهم 80%
من العالم.
العالم حالياً يرتسم على صورة ومثال
الاقتصاد الأمريكي، لأن 20% في الولايات
المتحدة ينتجون ويسيطرون على ثروة
80% من الولايات و80% من سكان الولايات
المتحدة يتسلمون فقط 20% من ثروة
البلاد.
صورة علينا أن نتنبه إليها، العالم
على المستوى الاقتصادي يرتسم على
صورة المثال الاقتصادي الأمريكي،
وهي صورة جائرة وأكثر من ذلك عبر
العولمة على وجوهها المختلفة السياسية
والاقتصادية والثقافية والمعرفية...إلخ.
تنتشر الأمريكان (Y of Life) الطريقة
الأمريكية في الحياة، هذه الطريقة
التي يمكن أن تنجح في دول ويمكن أن
تفشل في دول أخرى، لكن النقطة الأساسية
وراء هذه الطريقة الأمريكية في الحياة
هي إلغاء حضارة الآخر وثقافة الآخر
ويمكن أن أتحدث بإسهاب عن كل هذه
الموضوعات.
وشكراً