الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
التكامل الاقتصادي العربي .. واقع ومستقبل
نص مداخلة الدكتور مصطفى عبد الله الكفري
العمل الاقتصادي العربي المشترك
( الواقع - الأهداف - المعوقات - الاستراتيجية)
 

تبدو أهمية و خطورة البحث في موضوع العمل الاقتصادي العربي المشترك كونه يمر الآن في مرحلة مراجعة و بخاصة موضوع ارتباطه بالظرفية و التطورات العالمية التي غيرت معالم الخريطة الاقتصادية و أصبح أهم ما يميزها ,اتجاه العالم نحو التكتلات الاقتصادية إن ذلك يدفعنا لتجديد الدعوة من أجل تحقيق التكتل الاقتصادي العربي و عدم الاستمرار في هدر إمكانية الوحدة الاقتصادية العربية, و الوطن العربي غني بمقوماته و رجاله , و لكن لابد من التنسيق و التعاون ليصبح العرب قادرون على مواكبة عولمة الاقتصاد ومواجهة المشاريع الاقتصادية الاقليمية المطروحة كالشراكة المتوسطية والشرق أوسطية , و ما يترتب عليها من نتائج تخص مختلف البلدان العربية.
يجب أن يظل دائماً العمل الاقتصادي العربي المشترك هو الأصل و القاعدة و المنطلق , و أن تكون التكتلات الإقليمية إن وجدت مجرد تفرعات عنه تستسقي من مصادره القومية والشمولية و تصب في أهدافه الوحدوية العربية , لكن الواقع يفرض علينا أن ننظر في الثغرة الكبرى التي تعيق أي حركة واسعة لهذه المرحلة , و تلك هي ثغرة تردي العلاقات العربية و بخاصة بعد حرب الخليج الأولى و حرب الخليج الثانية , فالكل دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب المفجعة و أصبحت عواقبها تشكل نزفاً مخيفاً لكل الموارد المادية و المعنوية و البشرية للأمة العربية و إحباطاً رهيباً للأجيال القادمة .
عندما نتحدث عن مستقبل العمل الاقتصادي العربي المشترك من المفيد أن نسأل ما هي المميزات و الخصائص الاقتصادية العامة للدول العربية , و قد أظهرت الدراسات تنوع ظروف البلدان العربية و أوضاعها مثل التفاوت من حيث تركيب هياكلها الاقتصادية و توزيع القوى المنتجة و الثروات الطبيعية إضافة إلى اختلاف مستويات التنمية الاقتصادية و حجم السوق المحلية , و مع ذلك فإن الوطن العربي يقدم تنوعاً كبيرا . فسكان الدول العربية يتراوح تعدادهم بين أقل من 593 ألف نسمة (قطر) وأكثر من 50 مليون نسمة (مصر) و متوسط دخل الفرد يتراوح من 260 دولار في (الصومال) إلى أكثر من 18000 دولار في (الكويت) . وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإنه من الصعب العثور على بلد عربي يمكن أن يمثل الدول العربية كمجموعة . على أنه من الممكن أن نشير إلى بعض المميزات الاقتصادية المشتركة لهذه الدول مثل سوء استغلال الموارد الاقتصادية اضافة الى كونها اقتصاديات مزدوجة مؤلفة من اقتصاد وطني متخلف يتعايش إلى جانب اقتصاد متقدم يرتبط بالاقتصاد العالمي المتقدم،كما أن الاقتصاديات العربية أحادية الجانب تعتمد في مواردها على سلعة واحدة أو بعض السلع المحدودة و تتسم بتخلف و تفكك هياكلها الإنتاجية و انخفاض الإنتاج و الإنتاجية كما أن الاقتصاديات العربية تتميز بضيق السوق المحلية العربية و تفتتها و اعتمادها المطلق على التجارة الخارجية و ضعف القاعدة التكنولوجية, ومن جهة أخرى فإنها تتميز بانخفاض متوسط الدخل الفردي وبالتالي انخفاض مستوى المعيشة .
ومع ذلك فان (المنطقة العربية يمكن تعريفها على أنها منطقة متصلة جغرافياً و لها تاريخ و ثقافة وعقيدة مشتركة و تواجه تحديات التخلف و التبعية الخارجية و التجزئة و هي بذلك ترتبط بمصير واحد ) .
ويقدر عدد سكان الوطن العربي حسب تقديرات عام 1994 بنحو 245 مليون نسمة مقابل 139 مليون نسمة عام 1973 و يتوقع أن يرتفع العدد إلى حوالي 290 مليون نسمة عام 2000 . و تشير بعض الإحصائيات أن عدد سكان مصر وحدها يمثل ربع سكان الوطن العربي في حين أن ثلاث دول عربية أخرى يفوق تعدادها العشرين مليون هي السودان 29 مليون و المغرب 27 مليون و الجزائر 27 مليون نسمة أما الدول التي لا يتعدى عدد سكانها مليون نسمة هي قطر 593 ألف و البحرين 558 ألف وجيبوتي 570 ألف نسمة . ويعتبر معدل النمو الطبيعي للسكان في الأقطار العربية من أعلى المعدلات في العالم . إذ يقدر بحوالي 4.2% سنوياً في المتوسط مقارنة بنسبة 0.6% في المتوسط للدول الصناعية المتقدمةو1.7% في المتوسط للعالم ككل .
أما من حيث نمط نمو إجمالي الناتج المحلي فإنه يمكن التمييز بين أربعة مجموعات من الدول العربية تتشابه إلى حد بعيد في خصائصها و هياكلها الاقتصادية و الاجتماعية وكذلك في أنماط أدائها الاقتصادي, المجموعة الأولى: و تشمل الإمارات _ السعودية _ عمان _ قطر _ ليبيا _ الكويت _ إذ يبلغ الناتج الإجمالي المحلي لهذه المجموعة 64.4% من إجمالي ناتج الدول العربية بالأسعار الثابتة في حين أن عدد سكانها لا يمثل أكثر من 9.8% من إجمالي السكان في الوطن العربي, أما المجموعة الثانية: والتي تشمل البحرين_ تونس_ الجزائر_ سورية_ العراق_ مصر فان الناتج المحلي الإجمالي لهذه المجموعة يبلغ 29.6% من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي في حين أن عدد سكانها يبلغ 54.8% من إجمالي السكان في الوطن العربي , والمجموعة الثالثة: تشمل الأردن _ لبنان _ المغرب ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول حوالي 4.4% من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي في حين أن عدد سكانها يمثل حوالي 14.9% من إجمالي السكان في الوطن العربي , أما المجموعة الرابعة: و التي تشمل جيبوتي _ الصومال _ السودان _ موريتانيا _ اليمن فان الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 1.6% من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي في حين أن نسبة عدد سكانها تصل الى 20.5% من إجمالي سكان الوطن العربي .
ـ أهداف و أهمية العمل الاقتصادي العربي المشترك: تبدو أهمية العمل الاقتصادي العربي المشترك من ناحيتين :
الأولى _ أنه يتضمن العديد من الجوانب الإنتاجية , التمويلية , التسويقية , انتقال المنتجات و عناصر الإنتاج , التبادل و العلاقات الاقتصادية مع الخارج .
الثانيه _ أن هذا العمل لا يتم وينتهي مرة واحدة في نقطة زمنية معينة ولكنه يتطلب بعداً زمنياً يتحرك خلاله لتحقيق أهدافه النهائية , و هو بعد زمني متحرك لا يثبت عند تاريخ معين في المستقبل , حيث أن هذا المستقبل نفسه ينتقل و يتحرك , وتتحرك معه أهداف العمل الاقتصادي العربي المشترك , و في إطار حركة هذا العمل نحو أهداف مستقبل محدد معين , يأتي تحركه المتتالي خلال فترات زمنية عديدة يجب أن يقطعها للوصول لهذا المستقبل المحدد.
ومن أهم أهداف العمل الاقتصادي العربي المشترك:
" رفع معدلات التنمية الاقتصادية وضمان استمرارها استناداً إلى القدرات الذاتية للأقطار العربية .
" زيادة التشابك و الارتباط بين اقتصاديات الأقطار العربية .
" تقليل اعتماد الدول العربية المفرط على العالم الخارجي .
" تقليص الفوارق الاقتصادية بين الأقطار العربية .
" تنويع الصادرات و تقليص هيمنة قطاع النفط على مجمل الصادرات .
" إدخال الانسجام في مختلف أوجه السياسات الاقتصادية لتسهيل الهدف المتمثل في الوحدة الاقتصادية .
- مسيرة العمل الاقتصادي العربي المشترك:
بدأت مسيرة العمل الاقتصادي العربي المشترك المنظم مع قيام جامعة الدول العربية عام 1945 , وصدور عدد من مواثيق و اتفاقيات التعاون الاقتصادي و الأمني و الاجتماعي , و شقت محاولات التعاون و التكامل الاقتصاديين طريقها إلى خمسة محاور رئيسة , و هي التجارة , و المعونات , و الاستثمار , و القطاعات الإنتاجية , و القطاع العمالي , و أخذت هذه المحاولات شكلين رئيسيين , أحدهما ثنائي و الآخر جماعي , و كان الشكل الأخير حتى عهد قريب يتم عادة في ظل الجامعة العربية و منظماتها المتخصصة .
لكن العمل الاقتصادي العربي المشترك اصطدم بعقبات التجزئة و القطرية التي كانت تقيده و تحد من مداه و من سرعته , واتسمت الاتفاقيات الجماعية بعدم اشتراك عدد من البلدان العربية فيها , و تحفظ بعضها الآخر على كثير من بنودها و أحكامها , كذلك فان بعض الدول التي وضعت أو صادقت على هذه الاتفاقيات لم تضعها موضع التنفيذ الفعلي .
و رغم كل ما قيل حول العمل الاقتصادي العربي المشترك أو ما حرر من اتفاقيات , فإن مسيرة التنمية في البلدان العربية اتخذت الخط القطري , وكانت مخططات التنمية العربية متباعدة عن بعضها البعض و لا تعكس سوى واقع التجزئة الاقتصادي , وليست المشكلة في قصور الفكر عن تشخيص أسباب عجز الجهود الإنمائية وإيجاد الحلول المناسبة لها , بل في غياب أي ارتباط بين أهداف التنمية في المفهوم القومي و المسار الذي يؤدي إلى بلوغها , وما يتم فعلاً على أرض الواقع .
لقد وضعت المسيرة الاقتصادية العربية لنفسها في البداية هدف التجمع المستند إلى فكرة القومية العربية و حركيتها, ومع أن القومية العربية لم تكن قد حددت لنفسها هدفاً واضحاً فقد كانت ترمي إلى تكتيل و تجميع الجهود العربية في سبيل الصالح المشترك , و في سبيل تحقيق هدف كبير رمز إليه بالوحدة العربية لتمكين العرب من آمالهم في العيش الآمن الكريم و المساهمة في الحضارة العالمية , وقد التقى الهدف الأمني مع الحاجة الاقتصادية لجعل ميثاق الدفاع المشترك و التعاون الاقتصادي أساساً لمسيرة كان أحد جناحيها يقوم على التضامن السياسي و العسكري و الاقتصادي لدرء الخطر الإسرائيلي , و الثاني يحاول بناء اقتصاد متكامل يخلف الاقتصاديات المجزأة التي أقيمت في المنطقة العربية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية , وقد سارت هذه الحركة شوطاً في الاتجاه الصحيح , غير أنها توقفت في النهاية عند سد لم تستطيع اختراقه , و هو سد الأسوار الحمائية المختلفة التي أقامتها الأقطار العربية و عززتها بمفاهيم محددة للسياسة و المصلحة , و في إطار الخيار ما بين المجتمع الشمولي و الحمائيات القطرية فان الحمائيات تبدو الآن و كأنها امتلكت الساحة تماماً و تغلب القطري على القومي .
إن الخيار الثاني المطروح في الساحة العربية هو الخيار التكتلي الإقليمي القائم على ساق جغرافية , و هناك نوع آخر من الخيارات التي تتبدى من منطلق جغرافي أو تاريخي أو عقائدي بحكم موضع الأمة العربية من هذه المنطلقات الثلاث , وهو موقع مركزي , فالعامل الجغرافي يطلق أحاديث عن تكامل بين قطر عربي أو أكثر و منطقة محاذية له , مجلس التعاون الخليجي _ اتحاد دول المغرب العربي _ مجلس التعاون العربي _ دول إعلان دمشق.
وثمة خيار من نوع مختلف يتجاوز الإطار الجغرافي و التاريخي و القومي و يقوم على أساس من توازنات القوى العالمية , و هناك خيار آخر , و هو أن تنجذب مسارات الوطن العربي إلى مراكز القوة المختلفة , و هناك مسار آخر أخذ يحدث تأثيراته الكبرى في مصائر الأمم و الشعوب , وذلك هو التغير الحاصل في حجم وحدات الإنتاج الاقتصادي , فالمنشآت الاقتصادية قد كبر حجمها من الشركة الصغيرة إلى الشركة الكبيرة, فالشركة الكبرى العملاقة, ومن الشركة القطرية إلى الشركة القومية ( متعدية الجنسية )فالأممية.



- جامعة الدول العربية و العمل الاقتصادي العربي المشترك:
اهتمت جامعة الدول العربية منذ تأسيسها بالتعاون الاقتصادي فيما بين الأقطار العربية و تم تشكيل لجنة دائمة للشؤون الاقتصادية و المالية ضمن إطار الجامعة للقيام بوضع أسس و قواعد للتعاون الاقتصادي العربي الذي يهدف إلى :
1. تطوير أشكال التعاون الاقتصادي و إرساء قواعد وأسس متينة يقوم عليها هذا التعاون و ذلك من أجل استثمار الموارد الطبيعية التي تملكها الأقطار العربية و توظيفها في خدمة عملية التطور و النمو وتحسين مستوى المعيشة للمواطن .
2. تطوير أشكال التبادل التجاري فيما بين أقطار الوطن العربي وزيادة مساهمة الدول العربية في حجم التجارة الدولية , و التخلص من تبعية الدول العربية و ارتباط اقتصادها باقتصاديات الدول الرأسمالية الكبرى , عن طريق التصدير و الاستيراد و يتم هذا عن طريق المبادلات التجارية بين أقطارالوطن العربي أو مع بقية الدول النامية.
3. و من أجل تحقيق الهدفين الأول و الثاني لا بد من عقد اتفاقيات فيما بين أقطار الوطن العربي , تنظم طرق و أشكال التبادل التجاري و التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات : الزراعة و الصناعة و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.
4. لا بد أيضاً من تأسيس الهيئات و المؤسسات التي تعمل على تحقيق الأهداف التي تسعى لأجلها أقطار الوطن العربي في موضوع الوحدة الاقتصادية .
تم إبرام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية في عام 1950. و نصت المادة السابعة من المعاهدة على ( تعاون الدول المتعاقدة على النهوض باقتصاديات بلادها و استثمار مرافقها الطبيعية و تسهل تبادل منتجاتها الزراعية و الصناعية ...و تنظيم نشاطها الاقتصادي وتنسيقه وإبرام ما يقتضيه الحال من اتفاقات خاصة لتحقيق هذه الأهداف). كما نصت المعاهدة على إنشاء المجلس الاقتصادي و الذي أصبح اسمه فيما بعد بالمجلس الاقتصادي و الاجتماعي يتبع لجامعة الدول العربية , و يتألف هذا المجلس من وزراء الدول التي وقعت على المعاهدة المختصين بالشؤون الإقتصادية , و تم إنشاء إدارة في جامعة الدول العربية باسم ( الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية ) يرأسها آمين عام مساعد في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية .
و قد تم في نطاق الجامعة العربية إنجاز العديد من الأعمال الجماعية التي تمثل محاولات هدفها تعزيز التعاون الاقتصادي العربي , و كان من أبرز الأعمال المبكرة في هذا المضمار عقد ( اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت بين دول الجامعة العربية ) للعام 1953, و ( اتفاقية تسديد مدفوعات المعاملات الجارية و انتقال رؤوس الأموال ) في العام ذاته , و (اتفاق بشأن اتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية ) و من تلك الأعمال ما تم في السنين اللاحقة من عقد اتفاقات عديدة بخصوص إنشاء مشروعات عربية مشتركة , كان أولها مشروع ( شركة البوتاس العربية ) لم ينفذ , و ( الشركة العربية لناقلات البترول ) و (المؤسسة العربية للإنماء ) ( حل مكانها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي و الاجتماعي ). ومن الأعمال الجماعية أيضاً ( اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية ) .
منذ قيام جامعة الدول العربية في عام 1945 و حتى يومنا هذا تأسس الكثير من المؤسسات و المنظمات التي تسعى و تعمل لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي , مثل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية , منظمة التنمية الزراعية , منظمة التنمية الصناعية, منظمة الأقطارالعربية المصدرة للبترول , صندوق الإنماء الاقتصادي الاجتماعي العربي , صندوق النقد العربي , كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين الدول العربية مثل اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة , اتفاقية النقل الجوي , و كذلك وضع عدد من الاستراتيجيات العربية التي تهدف إلى تطوير و تعميق التعاون العربي في مختلف المجالات من سياسية و اقتصادية و اجتماعية , هنا نواجه سؤالاً هاماً جداً حول مدى مساهمة هذا الإطار المؤسسي الكثيف في صنع و تطوير التعاون العربي على طريق الوحدة الاقتصادية العربية و الوحدة الشاملة , إن معرفة مدى مساهمة هذه المؤسسات و الاتفاقيات و الاستراتيجيات , يقتضي التعرف عليها أولاً ثم دراسة أثرها على حركة التبادل التجاري و العمالة و رؤوس الأموال بين الأقطار العربية بعضها البعض.
- معوقات ومحددات العمل الاقتصادي العربي المشترك: واجه العمل الاقتصادي العربي المشترك جملة من التحديات من اهمها:
أن هناك تناقضاً ظاهرياً بين مفهومي التكامل و الوحدة بحيث يصعب الجمع بينهما في إطار قضية واحدة , فالتكامل يتعلق باستقلال الأجزاء , و الوحدة تتعلق بتذويب الأجزاء في إطار الجماعة , و على الرغم من ذلك فالتوفيق ممكن إذا كان التكامل هو أحد طرق التوحيد, و هنا يصبح التكامل العربي و سيلة و ليس هدفاً نهائياً في حد ذاته , و لابد للعمل العربي المشترك من حسم هذه المسألة بوضوح .
(و في تحد ثان , ما زالت التنظيمات فوق القطرية و ضرورتها لتحقيق القطرية و التوحيد لا تواجه بصراحة و فاعلية على مستوى بلدان الوطن العربي شأنها في ذلك شأن كل دول العالم النامي , و قد قطع بعض التكتلات شوطاً بعيداً في هذا المضمار بحيث صار له برلمان ينتخب انتخاباً مباشراً و حقق النجاح الذي يطيب للبعض أن يستشهد به يوماً , أما نحن في التجربة العربية فما زالت قرارات الجامعة العربية ملزمة لمن يوافق عليها فقط , و ما زالت توصيات المجلس الاقتصادي خاضعة للقاعدة نفسها , حتى بعد تسميتها قرارات ) .
لذلك نلاحظ ظاهرة جديدة على صعيد الوطن العربي و هي سعي مجموعات إقليمية من الأقطار العربية للتعاون الجماعي فيما بينها ,( مجلس التعاون الخليجي ) و يسعى هذا النوع من التعاون إلى الصعود بأقطار المجموعة كافة إلى مستويات أعلى فأعلى من الاكتفاء الذاتي الجماعي , و هذا يعطي الأقطار المتعاونة إمكانية تلافي نواقص بعضها بعضاً عن طريق تبادل الإمدادات و هي بذلك تحقق لنفسها مزايا في مضمار التكامل الإنتاجي و التسويقي معاً .
ومن اهم المعوقات والمحددات التي واجهها العمل الاقتصادي العربي المشترك عدد من المحددات و المعوقات في عملها مما أدى إلى إخفاقها في تحقيق أهدافها , و يمكن إجمالها بما يلي :
1. عدم وجود فلسفة واضحة للتعاون الاقتصادي العربي .
2. تنظيم و تخطيط مؤسسات التعاون الاقتصادي العربي من منطلق العلاقات الاقتصادية العربية ونظمها الفرعية تجسيداً لمتطلبات عملية التكامل الاقتصادي العربي نقلاً عن تجربة منظمات التعاون الاقتصادي العالمية وإسقاطاً لآلية عملها بدون النظر إلى البون الشاسع في اختلاف المستويات والظروف و الأهداف .
3. افتقار نصوص الاتفاقيات بين الأقطار العربي إلى الدقة في تحديد الهدف ورسم الوسيلة لتحقيقه إذ جاءت معظم نصوص هذه الاتفاقيات مشحونة بالعبارة الإنشائية كذلك تضمنت نصوصاً تسهل على الدول الأعضاءالتنصل من التزاماتها تجاه هذه الاتفاقيات.
4. ضعف آلية التنفيذ اللازمة للاتفاقيات العربية حيث لم ترد في معظمها أية نصوص إلزامية .
5. ضعف التعاون بين منظمات العمل العربي المشترك و ضعف الكادرالفني فيها مما أدى إلى خضوع بعضها إلى ضغوط سياسية.
6. عدم وضوح المقاييس التي يتم في ضوئها اختيار قيادات وكوادرهذه المنظمة .
7. المعاناة من النزوع إلى المحلية و الولاءات السياسية في عمل المؤسسات العربية مما أدى إلى ترسيخ التجزئة و الحد من نشوء الولاء القومي.
8. ضعف قابلية الأقطار العربية في تقديم الاستشارات و تبادلها فبما بينها .
9. ضعف بنية البحوث الأساسية و التطبيقية و فاعليتها , تلك البحوث التي تخدم فروع الاقتصاد و قطاعاته المختلفة .
10. التناقضات التي تسود أساليب التنمية العربية .
11. التباين بين الأقطار العربية في بنية السياسات الاقتصادية و الحماية و السياسات الاقتصادية الأخرى .
12. انخفاض قابلية الأقطار العربية النفطية في تقديم الإعانات و القروض الميسرة للأقطار العربية الفقيرة مما أدى إلى زيادة مشكلة مديونية هذه الأقطار و بالتالي إلى زيادة اعتمادها على الدول الرأسمالية مما ينجم عنه ضعف الإيمان بالعمل العربي المشترك .
13. سيادة نمط إنتاج الصناعات الاستخراجية و التبعية الاقتصادية للأسواق العالمية الناجمة عن انخفاض مستوى التكوين الرأسمالي.
14. الحوافز والموانع أمام حركة الشعب العربي بين الأقطار العربية مما أدى إلى ضعف الاتصال و التفاعل الاجتماعي على كافة المستويات والمجالات فنشأت بين الأقطارالعربية مسافات شاسعة .
لازالت التجزئة للوطن العربي تتعمق يوماً بعد يوم بسبب تعمق الفكرالقطري و اختلاف مستويات النمو و التطور للأقطارالعربية و هذا الوضع يصعب معه إحداث تنمية جماعية تستطيع مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية .
- تفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك: إن الطريق إلىتفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك يجب أن يتحقق عبرثلاث عمليات متتابعة:
" إرساء الاستراتيجية التي يقوم عليها العمل المشترك شريطة أن تكون فلسفة هذا العمل واضحة و معرفة بدقة لا لبس فيها و لا اجتهاد يفسر من كل جهة حسب هواها في هذه الاستراتيجية , كما يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية أهدافاً رئيسية واقعية , واضحة , تنسجم و إمكانات الأمة العربية . و إطلاق القوى الإبداعية المنتجة للإنسان العربي من خلال مشاركة شعبية فعالة في تحمل عادل و متكافئ لأعباء التنمية و مسئولياتها و أيضاً جني ثمارها و عوائدها .
" تخطيط العمل العربي المشترك و ذلك بوضع خطة قومية طويلة الأجل تكون إطار الخطط متوسطة و قصيرة الأجل للتنمية القومية و القطرية على حد سواء مبنية على أساس الاستراتيجية التي تم وضعها , على أن ينهض بهذه المهمة جهاز للتخطيط القومي بالتنسيق مع أجهزة التخطيط القطرية .
" تنفيذ خطة التنمية القومية و ذلك من خلال منظمات عربية متخصصة تتولى مسئولية تنفيذ المشروعات و البرامج الواردة في خطة التنمية القومية شريطة أن لا تنعكس الخلافات السياسية و آثارها السلبية على تنفيذ هذه المشاريع مع الالتزام الكامل للحكومات العربية في تنفيذ خطط التنمية القطرية المنبثقة من الخطة القومية .
كيف يمكن أن يتحقق التعاون الاقتصادي بين الدول العربية ؟ إنه يقوم قبل كل شيء على مبادئ التقسيم العربي للعمل , إن أشكال هذا التعاون متعددة : تنسيق خطط الاقتصاد الوطني للتنمية , التجارة , القروض و التسليف , بناء المشاريع الاقتصادية الكبيرة المشتركة التعاون في ميدان النقل و المواصلات , و من الضروري هنا تحقيق التخصص و التعاون في الإنتاج على صعيد الوطن العربي , و عندما يتم دراسة و تقييم الموارد و الأيدي العاملة و توفر الخامات و غير ذلك من الإمكانيات , يتم الاتفاق فيما بين الأقطار العربية بشأن الإنتاج الذي سينتجه كل قطر منها و بأي كمية لتلبية حاجة الأقطار العربية الشقيقة الأخرى , لم يعد في الوضع الاقتصادي المعاصر بمقدور قطر واحد بمفرده , خصوصاً إذا كان صغيراً , أن ينتج جميع أصناف المنتجات الضرورية , لأن إنتاجاً كهذا سيكون قليل الكمية و عالي التكاليف .
أن التخصص على صعيد الأقطار يتيح تركيز إنتاج سلعة ما في أحد أو عدد من الأقطار العربية , و إن تقسيم العمل على هذا النحو يؤدي إلى زيادة الإنتاج , تخفيض التكلفة , زيادة إنتاجية العمل , تحسين نوعية المنتج , كما يؤمن تطوير الاقتصاد و رفع مستوى المعيشة في جميع الأقطار العربية .
( و لم لا نكون , نحن العرب , كسائر الأمم : نركز اهتمامنا على المستقبل و تحدياته , ليمكننا تحقيق مزيد من العمل المشترك مسترشداً باحتمالات المستقبل , يمكننا توجيه جهودنا إلى مجالات أوسع رحابة , و أعمق تأثيراً , و أبعد مدى ).
إن العمل الاقتصادي العربي المشترك لا يمكن أن يظل دائماً مجرد رد فعل أو تعبير عن الحد الأدنى لأنه يعد المستقبل ذاته للأمة العربية , و لا مستقبل للعرب في ظل دويلات و كيانات ضعيفة و صغيرة في عالم الغد , إن العمل العربي المشترك و الفعال هو الممكن الوحيد للأمة العربية لكي تخرج من تخلفها و تتخلص من تبعيتها على الساحة العالمية , و الظروف العربية الراهنة من انقسام و تفارقات تدعونا أكثر من أي وقت مضى , و تدعو كل من له غيرة و انتماء عربيين للدفع أكثر باتجاه إعادة النظر في أساليب العمل الاقتصادي العربي المشترك بل إعادة صياغة أساليب التوحيد العربي على أساس أكثر صلابة و رصانة من الصيغ الترقيعية التي اتبعت لحد الآن .
- استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك :
يتطلب تفعيل العمل العربي الاقتصادي المشترك قبل كل شيء تحديد استراتيجية اقتصادية عربية موحدة , و الشيء الذي يميز الاستراتيجية هو ما تحدده من أهداف بعيدة المدى لمجتمع معين , و ما تتضمنه لتحديد مسار حركة هذا المجتمع في سبيل الوصول إلى هذه الأهداف و تحقيقها .
حيث تم تحديد منطلقات و أهداف و أولويات و برامج و آليات العمل الاقتصادي المشترك بين الدول العربية , و نصت على أن فعالية العمل الاقتصادي العربي المشترك رهن بتخليص الموارد المادية العربية من كل سيطرة أجنبية و تحرير الاقتصاد العربي من التبعية و رفع قدرته على التفاعل كشريك متساو مع مراكز القوى في الاقتصاد العالمي .
وتم تحديد الأهداف بالسعي من أجل تحقيق الأمن القومي بما فيه الأمن الفكري , العسكري , الغذائي والأمن التكنولوجي مع تعزيز القدرة العسكرية العربية الذاتية لمواجهة التحدي الصهيوني الذي تتعرض له أمتنا العربية . كما أكدت الاستراتيجية على ضرورة تنمية و تطوير القوى البشرية و القوى العاملة في الوطن العربي و ضمان حريتها في الحركة وفقاً لمتطلبات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في الأقطار العربية و الحفاظ على هذه القوى داخل أراضي الوطن العربي و التوسع في الاعتماد على العمالة العربية بهدف تقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية .
انطلاقاً من هدف تحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية في مختلف أرجاء الوطن العربي و السعي من أجل الوصول إلى أفضل صيغ التعاون الاقتصادي العربي , لا بد من وضع استراتيجية للعمل الاقتصادي العربي المشترك التي تستند إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على النفس و التخلص من التبعية الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى .

و أبرز نقاط هذه الاستراتيجية يجب أن تكون :
" استخدام الأموال العربية في تمويل عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية .
" استغلال الثروات الطبيعية المتوفرة في الوطن العربي و توظيفها في خدمة عملية التنمية الاقتصادية بما يحقق أفضل مردود .
" الاعتماد على الكوادر الوطنية الفنية المؤهلة مع الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة و المساهمة في تطويرها و توطينها .
" تقليص الفجوة التنموية بين الأقطار العربية .
إن آفاق العمل الاقتصادي العربي المشترك يجب أن لا تقتصر على مجرد بناء و إقامة المشروعات ذات التمويل المشترك أو حدوث انتقال اليد العاملة و الأموال,لا نستطيع أبداً أن نشك في جدوى و فعالية بناء مثل هذه المشروعات , أو حدوث التدفقات المالية و البشرية فيما بين الدول العربية و لكن العمل العربي الاقتصادي المشترك يحتاج أيضاً إلى إحداث المزيد من الترابط العضوي في الهياكل الإنتاجية للوطن العربي و إن الاستخدام الأمثل للقدرات الذاتية و العلمية و التكنولوجية يتطلب العمل المشترك بين أقطار الوطن العربي .
ويمكن تحديد أهداف استراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك بالنقاط التالية :
" تخليص الموارد المادية والثروات الطبيعية في الوطن العربي من أي سيطرة أجنبية وتوظيفها في عملية التنمية .
" تحرير الاقتصاد العربي من التبعية الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى , و بناء صناعات متطورة .
" زيادة دور و فعالية الاقتصاد العربي و تحقيق مكانة معقولة في الاقتصاد العالمي.
" تحرير الإنسان العربي و إطلاق قدراته المبدعة لتشارك في عملية التنمية .
" تحقيق الأمن القومي الذي يتضمن ( الأمن الفكري , الأمن العسكري , الأمن الغذائي , والأمن التكنولوجي و الأمن المائي )
" تسريع وتائر النمو الاقتصادي , بتحقيق أكبر قدر من الاعتماد القومي على الذات .
" تحقيق أكبر قدر ممكن من التناسب بين القطاعات و الأقاليم لتلبية الحاجيات الأساسية المتنامية .
إن تحقيق أوتنفيذ الاستراتيجية يتطلب شروط ووسائل عمل تؤدي إلى ذلك، و تتميز الاستراتيجية عادةً بالشمولية وضرورة التنسيق و التكامل بين جوانبها المختلفة ( الأهداف , المسارات , الحركة , المتطلبات , والشروط ) وهذا ينطبق على استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك .
وهذا يتطلب ( إقامة نظام اقتصادي عربي جديد يتسم بالتكامل المحقق للتنمية الشاملة ويمثل نمطاً من تقسيم العمل داخل الوطن العربي , يحقق التطور و التحرر لأقطار الوطن العربي ,و يستهدف إزالة التبعية وإيقاف استنزاف موارد الوطن العربي و إقامة علاقات اقتصادية متكافئة و عادلة بين دوله.)
ترتيباً على ما تقدم يمكننا تقديم تصور علمي لاستراتيجية فعالة للعمل الاقتصادي العربي المشترك يقوم على مبادئ أساسية و محاور رئيسة يتم تطبيقها كحزمة كاملة (full package ) وفقاً لما يلي :
بحيث تتضمن المبادئ الأساسية :تحييد العمل الاقتصادي العربي المشترك عن العمل السياسي و الخلافات الطارئة بين الدول العربية. وعدالة توزيع المنافع و الأعباء على كافة الأطراف .وربط مراحل التكامل بمراحل التنمية الشاملة.وتوحيد الموقف تجاه العالم الخارجي.
أما المحاور الرئيسة فهي أربعة محاور:
" تنمية القوى البشرية العربية،
" تدعيم البنى الأساسية،
" التنمية الزراعية و توفير الأمن الغذائي،
" التصنيع .
و الاقتصاديون العرب مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتفكير في سيناريو عملي للعمل الاقتصادي العربي المشترك يؤدي إلى تفعيله و من الممكن أن تتضمن هذا السيناريو العمليات التالية :
" ترشيد العملية التخطيطية القطرية بما يتضمن توسيع أفقها القومي و مد بصرها للمدى الأبعد , أي أنه في كل هذا الواقع العربي الذي يشهد تغليب المصالح القطرية الضيقة على المصالح القومية , فليس أقل من العمل على حث كل قطر على أنه و هو يفكر في مصالحه القطرية ألا يضيف عقبة أو صعوبة جديدة تعرقل العمل الاقتصادي العربي المشترك , بل أنه لو نظر إلى مصالحه القطرية في الأمد الطويل , و هو الأفضل, لعمد إلى إزاحة عقبة أو صعوبة من العقبات أو الصعوبات القائمة حالياً ليعجل في عملية التكامل الاقتصادي العربي و طبيعي أن هذا الترشيد لن يتم إلا من خلال زيادة و تكثيف الاتصال و التنسيق بين الأنشطة و الأجهزة التخطيطية في الدول العربية .
" اختيار و انتقاء مجموعة الأنشطة الاستثمارية التي قد تتجاوز مزاياها و عوائدها حدود التنمية القطرية لتمتد إلى دعم و دفع التنمية القومية ( الأقطار الأخرى ) , مثل : الموارد المائية , مصادر الطاقة الطبيعية , الهياكل الأساسية ...الخ , ذلك أنه قد يكون من الأفضل في مثل هذه الاستثمارات أن تتم بجهد قومي لا قطري , حيث أنها تتسم في حالات كثيرة بعدم القدرة على التجزئة أو بخضوعها بشكل واضح لاقتصاديات الحجم.
" الالتفات الجماعي حول بعض القضايا و المشاكل التنموية ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالقدرات التنموية القطرية و كذلك القدرة التنموية القومية , .... الخ, مثل تلك القضايا و المشاكل قد يكون من الصعب على أي قطر أن يواجهها بمفرده سواء لارتفاع نفقاتها المالية أو لتجاوزها قدراته البشرية المتاحة و الممكنة, و إذا لم يكن هذا أو ذاك و افترضنا قيام كل قطر بالإنفاق على مثل تلك القضايا, أليس من الممكن الترشيد و تجنب ازدواجية الانفاق .
" لماذا ينصرف الذهن عادة عند الحديث عن التكامل العربي إلى دور الحكومات و الأنظمة و لا ينصرف أيضاً إلى دور الشعوب و الأفراد ؟ إن إنجاز التكامل ليس مسؤولية الحكومات و الأنظمة فقط , بل إن هناك دوراً هاماً يجب أن تلعبه الشعوب في الدول العربية و الهيئات غير الرسمية و النقابات و الاتحادات و الجمعيات .
وحين انعقد مؤتمر المستثمرين العرب في الإسكندرية بتاريخ 29/5/1995 و اشترك فيه أكثر من ألف مستثمر عربي , أجمع الحضور على ضرورة مواجهة التحديات بقيام الكتل الاقتصادية بإنعاش و تفعيل التكامل الاقتصادي العربي , و يعتقد المؤتمرون أن البدء بمنظمة تجارة حرة ربما تكون الخطوة الصحيحة على طريق تفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك ومع ذلك طل التهافت عند بعض الحكومات العربية على مشروع السوق الشرق أوسطي قائماً .
مما تقدم يتضح أن التصور العملي الذي نراه مناسباً للتكامل العربي لا بد و أن يبدأ جزثياً حتى نصل الشمولية , ذلك أن الصورة الشاملة للتكامل عند البداية سوف تكون بالتأكيد فوق كل طاقة فنية و إدارية و تنظيمية للأقطار العربية , علاوة على كونها تصطدم مباشرة بتحديات الواقع العربي المعاصر , أما الصورة الجزئية فإنه يمكن أن تكون بالقدر و الشكل الذي يتناسب مع هذا الواقع و تلك القدرات و بالتالي فإن منهجية التدرج هي أقرب إلى التطبيق و النجاح , إذ يمكن في هذه الحالة أن يكون التكامل في نشاط أو أكثر و قطاع أو أكثر و بين دولتين أو أكثر , أما أن يكون شاملاً لكل الأنشطة و القطاعات في الاقتصاديات القطرية لكامل الوطن العربي , فهذا هو الطموح الذي لا يسمح بتحقيقه الواقع و لا الإمكانات و يعتبر المشروع المشترك رغم أنه لا زال يحتاج إلى مزيد من الدراسة و التحديد , فإنه يظل أهم أداة لتحقيق التكامل العربي , و إن كان هذا لا يمنع أن يقوم المشروع الخاص الفردي أو الخاص المشترك بدور هام في هذا الصدد إذا ما توفرت له الرؤية بعيدة المدى .
بما أن الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية تتميز بسمة التكتلات الاقتصادية الأمر الذي يؤكد أن السير في طريق التكتل الاقتصادي العربي هو الوسيلة الأولى و الأساسية لمواجهة التحديات المستقبلية الاقتصادية و بخاصة القيود الاقتصادية الخارجية ( التبعية ) و في نفس الوقت هو الحل الأمثل لتحقيق التنمية الشاملة في الوطن العربي ومن هذا المنطلق تصبح قضية العمل الأقتصادي الاقتصاد العربي المشترك و التكامل الاقتصادي العربي على رأس الأولويات بالنسبة لكافة الدول العربية , و عليه فإن العودة إلى استراتيجية العمل الاقتصادي القومي , و وضع خطة عربية طويلة الأجل للتنمية الشاملة تتضمن تصور واضحاً لمجالات العمل العربي المشترك و ميثاق العمل الإقتصادي بنوعيه القطري و المشترك , و يجب الاستفادة من الجهود التي تبذلها مؤسسات البحث العلمي , و من الضروري الاهتمام بتطوير و استيعاب و تكييف التكنولوجيا للتخلص من التبعية و تدعيم استقلال الأمة العربية و ضمان أمنها.
و لتحقيق الرؤية الشاملة الموضوعية فإنه من المنطقي تصور أن يتم وضع الإطار العام المقترح للعمل العربي المشترك بأهدافه المحددة من خلال تجمع علمي و فني و سياسي تسهم في تنظيمه و أعماله المنظمات القائمة للعمل العربي المشترك .
إن الواقعية تستدعي أن يكون الاندماج والتكامل منطلقاً للتنمية و العمل الاقتصادي العربي المشترك , فالسياسات الواقعية هي التي تؤمن هذا المنهج و الذي سارت عليه الدول الأوربية بدأً بالاقتصاد , تكتلاً و تكاملاً و توحيداً , و من ثم شق الطريق المكملة التي تتطلبها الضرورات الاقتصادية وصولاً للتكامل السياسي والضمان الاجتماعي والأمن القومي العربي, و هناك مؤشرات كثيرة تنبئ بأن العمل الاقتصادي العربي المشترك مازال يحتفظ بالكثير من حيويته و مرونته وقدرته على تحقيق الكثير للبلاد العربية و المواطن العربي , إن كان ذلك من خلال المؤسسات العربية القائمة أو من خلال التعاون الثنائي و المواطَني بين مختلف الدول العربية و بخاصة المجاورة لبعضها بعضاً.

الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
جامعة دمشق - كلية الاقتصاد
gasomfa@scs-net.org


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية