الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة العراق بعد عام من الاحتلال
مداخلة الأستاذ حسين العودات الكاتب والباحث بعنوان
(صورة الأمريكي لدى العرب والمسلمين بعد عام من احتلال العراق)
دار البعث ـ 12 أيار 2004
 
صورة الأمريكي والأوربي والغربي عموما ليست وليدة عام واحد ولا وليدة مئة عام، بل هي وليدة مئات الأعوام، والأمريكي هو صورة أخرى عن الغربي الأوربي، هذه الصورة في واقع الحال تشكلت نتيجة صراعات وتفاقمت خلال التاريخ، هي بدأت من قبل الميلاد .. بدأت من الغزو الهيليني أيام الإسكندر .. وبعد ذلك الغزو الروماني .. ثم البيزنطي، واستمرت لمراحل لاحقة، أعني للفتح الإسلامي لإسبانيا .. للحروب الصليبية .. لغزو نابليون .. للنهضة الأوربية الحديثة .. للاستعمار الكولونيالي ... تاريخ طويل من الصراع بين الشرق والغرب، بين العرب المسلمين والأوربيين، بين حضارتين، بين وجودين إستراتيجيين، بين مصالح لطرفين متناقضين ـ في غالب الأحوال كانت هكذا ـ ولكن بقدر هذه الصراعات نشأ تثاقف حقيقي، المسيحية التي يدينون بها هي إنتاج شرقي، فيما بعد ابن رشد هوإنتاج شرقي، الفلسفة الإسلامية التي أخذوا بها هي إنتاج شرقي، والثقافة الصليبية في عهودها الأخيرة بعد قرنين التي أخذت من هذا المشرق هي إنتاج شرقي، مفاهيمنا الحديثة عن أمور الحياة هي إنتاج غربي، نتيجة النهضة الأوربية، إذاً، دائما كان هناك تثاقف، كان هناك تواصل ثقافي، وكان هناك صراع، هذا الصراع ـ لسوء الحظ ـ استخدم سياسيا، وبطبيعة الحال هو ليس صراعاً ثقافياً، هو بالأساس صراع سياسي عسكري .. استخدم في أوربة، واستخدم من العرب عندما فتحوا إسبانيا، استخدمه الأوربيون في الغزوة الصليبية، استخدم في مراحل التاريخ المختلفة، ونشأت صورة نمطية لدينا ولديهم، هذه الصورة تعمقت لدينا ولدى الغرب، تعمقت بالحروب، تعمقت بمصالح القيادات العسكرية، تعمقت بمصالح القوى المهيمنة على المجتمعات في أوربة، الكنيسة في مرحلة من المراحل، الإقطاعيون والأمراء في مرحلة أخرى، أوفي المرحلة نفسها، القيادات الكولونيالية للمصالح الرأسمالية مع النهضة، وتأصلت هذه الصورة النمطية أيضاً في بلادنا بسبب السلطة العثمانية المستبدة، التي لم تكن تقبل أن يكون هناك أي قبول حقيقي للثقافة والحضارة الأوربية، تأصلت برجال الدين الذين كانوا وما زال بعضهم لا همّ لهم إلا التحدث عن الصليبية وعن الكافر وعن الآخر وغير المسلم، والذي يجب .. ويجب ..، هذه الصورة لمصالح لا تعود للشعوب في المنطقتين تكونت وأصبحت صورة نمطية من خلال التاريخ، هذا لا يعني بطبيعة الحال أنها صورة أبدية لا تزول، لكنها صورة قائمة لا محالة، فيما يتعلق برؤية بالغرب، وفيما يتعلق برؤية الأوروبي بعد النهضة بالنسبة للعرب كان هناك التباس كبير.. كان هناك وحتى الآن هناك قناعة بأن هذه المجتمعات متحضرة ومصنعة وغنية ومرفهة ..الخ، وفي الدرجة نفسها، وفي الوقت نفسه هناك محاولات خوف من هذه المجتمعات وهي محاولات محقة في الغالب، لأننا لم نر من هذه المجتمعات سوى المظالم، إلا أن الالتباس الآخر أنه جرى اختلاط بين الشعوب و الحضارات في الغرب وبين القيادات المستعمرة المتسلطة، فأصبح المواطن الغربي هو المسؤول عن كل شيئ، كما هو الآن المواطن الأمريكي مسؤول عن كل شيئ في نظرنا، وهو في الحقيقة ليس المسؤولاً، وربما نحن نشاركه المسؤولية.
نحن نتشارك أيضا في تكوين هذه الصورة سواء لجهل أو لمصالح مرت خلال سنوات طويلة، وهناك أمر آخر زاد الأمر سوءاً هو الأنظمة السياسية العربية المستبدة، فالبلدان العربية ومعظم الأنظمة العربية لم تصل للدولة الحديثة بعد، فالدولة الحديثة كما نعلم هي دولة الحرية والعدالة والمساواة، والمواطنة هي الناظم لكل حياة الناس، ومعظم البلدان العربية هي ليست كذلك، فما زالت الطائفة والعشيرة والإقليم هي المؤسسات التي يحتمي بها المواطن، لأن الحقوق والواجبات ليست جدية ولا حكم القانون هو الذي يسير، ولا الرابطة الوطنية هي التي تطبق، فما دامت هذه الدولة غير موجودة إذاً هناك دولة داخل دولة هناك استبداد وهناك عسف في هذه البلدان، وهذه تعطي مادة غنية للإعلام الصهيوني وللاحتكارات الأمريكية والأوربية ولكل المعادين للحضارة العربية الإسلامية وللثقافة العربية الإسلامية أن يقولوا شيئا يصدقه الناس، وأن يكونوا ذوي مصداقية .
لماذا يكرهوننا ؟ علينا ألا نكره الأمريكي، الأمريكيون شعب ككل الشعوب، والمسؤول عنهم هذا النظام المتوحش الذي لم يترك للأمريكي فرصة ليفهم ما يجري في العالم، هذا النظام الذي نشأ تاريخياً منذ ما يقارب الثلاثة قرون على أن أمريكا للأمريكيين، نشأ على قتل الآخر واحتلال مكانه، نشأ على سلم قيم، ليس له علاقة بالعالم وبقي حتى مطلع القرن العشرين هكذا.
في عام 1920 أتت إلى سورية لجنة كينج - كراين التي كلفت من عصبة الأمم لتستشير السوريين ـ ماذا يريدون ؟ أي وصاية يريدون ؟ فقال المئات والبعض يقول الآلاف نريد أمريكا نريد وصاية أمريكية، إذاً لم نكن نكره الأمريكيين في عام 1920 بدليل أننا طلبنا الوصاية الأمريكية، لماذا نكره الأمريكيين الآن؟ نكرههم لأنهم بين الحربين خاصة في النصف الثاني من النصف الأول من القرن العشرين، دعموا الحركة الصهيونية- إقامة إسرائيل - عدوان 56- مشروع إيزنهاور.. عدوان عام 1967 ..إلخ، يعني تاريخ دموي تاريخ معادي للمصالح العربية، إننا نكره هذه السياسات، أما بالنسبة للشعب الأمريكي أظن بأن معظمهم مظلوم كما نحن مظلومون.
في العام الأخير، لا شك أن الكراهية زادت وتجذّرت تجاه الأمريكيين لأن ما عملته أمريكا في العراق وفي البلدان العربية وتجاه القضية الفلسطينية، لا يعمله عاقل، جميع الفيتوات التي اتخذت بشأن القضية الفلسطينية أمريكية - عدم شجب أي جريمة إسرائيلية - الدفاع عن أي موقف إسرائيلي حتى في الفترة الأخيرة وبوقاحة لا تقبل سياسيا قيل إن شارون رجل السلام كما قال بوش، أي عربي يسمع هذا الكلام و يرى ما يعمل شارون سيكره أمريكا، بدأ الشرخ الحقيقي يتجذر في كره أمريكا بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وبعد دخول العراق، ربما كان في السابق رأي عام ما يكره الأمريكيين بجريرة سياسات حكوماتهم، أما الآن فتجذرت إلى درجة أن هذا الشعب لا يحاول أن يعاقب حكومته على ما تعمل به في بلادنا كيف يمكن أن يحبهم عامة الناس، وهم يرون ما يحدث في العراق وفي فلسطين، يرون دعمهم الأنظمة العربية المستبدة والمتخاذلة، يرون القواعد العسكرية امتدت في الوطن العربي من شرق أفريقيا إلى حدود آسيا، يرون الجرائم التي تحدث في السجون وفي العراق، كيف يمكن ألا تتجذر هذه الكراهية، فالصورة الأمريكية في بلادنا لها أساس حقيقي من تاريخ الصراع مع الغرب، تاريخ من الصراع الدموي تاريخ من الصراع العسكري، تاريخ من التربية المنهجية على إعطاء صورة سيئة عن العرب، لو اطلعتم على الكتب المدرسية الأمريكية وكيف يصفون العرب .. شي لا يصدق !! ولا أي شيء صحيح، هكذا يصفون العربي، إذاً هناك برنامج منهجي يطبق في داخل المجتمع الأمريكي ليكره العرب ويحتقر العرب وهناك سياسات عملية وممارسات عملية تمارس هذا الأمر، فلماذا لا تتجذر هذه الكراهية وتصبح عداءً سافراً للولايات المتحدة الأمريكية ليست لسياسة الاحتكارات بل للشعب الأمريكي نفسه وما زالوا يتابعون الشرق الأوسط الجديد .. يتابعون إفراغ هذه الأنظمة من محتواها ويتابعون إفشال أي حركة تحرر عربي .. يتابعون دعم إسرائيل .. فالصورة كانت تصور ورأي عام وأصبحت واقعاً قائماً منهجياً، من الصعب الانكفاء عليه والتغلب عليه وإزالته من نفوس العرب.

 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية