بداية أشكر إدارة جريدة البعث لإتاحتها
لي المجال لأتحدث معكم حول القرار
1559 وهو موضوع مهم للغاية استأثر
باهتمام الرأي العام اللبناني والعربي
والدولي في الفترة الماضية نظراً
لأبعاده الخطيرة ونظراً لما اتصل
به من قضايا متعلقة بالصراع في المنطقة.
وهذا القرار كما لا يخفى على أحد
هو قرار سياسي بامتياز تذرع بتطورات
سياسية لبنانية واستند إليها كي يتوجه
سياسياً نحو قضايا هي أبعد بكثير
من الشأن اللبناني.
إنه، بالدرجة الأولى، يتعلق بسورية
وبموقعها ودورها العربي.
ويمكن فهم هذا القرار أفضل إذا نجحنا
في وضعه في السياق الذي صدر فيه.
كلنا يدرك أن جوهر الصراع في المنطقة
هو الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وعلى الرغم من القرارات التي صدرت
من مجلس الأمن عبر العقود الماضية
لمعالجة هذا الصراع ونتائجه، فإن
هذه القرارات أصبحت في الأدراج لا
سيما وإن الأمم المتحدة لم تربط هذه
القرارات بآلية تنفيذية. ولدى رفض
إسرائيل تنفيذ هذه القرارات لم يصدر
أي رد فعل حقيقي من الأمم المتحدة
أو الدول الكبرى المعنية بقضية السلام
والمفاوضات السياسية في منطقة الشرق
الأوسط.
وإزاء هذا الموقف السلبي من الأمم
المتحدة استمرت إسرائيل في تنفيذ
مشروعها التوسعي على أرض فلسطين،
فتجاوزت كل القرارات كما تخطت كل
الصيغ التي تم الاتفاق عليها بين
الدول الكبرى أو على الصعيد الإقليمي،
ومنها خريطة الطريق التي تبنتها اللجنة
الرباعية مؤخراً..
المستوطنات لم يتوقف بناؤها، فالقديم
منها يجري توسيعه والمخطط له يجري
تنفيذه تباعاً، وإذا كان الرأي العام
قد انشغل كثيراً في موضوع غزة، والانسحاب
من غزة والتخطيط للانسحاب من بعض
المستعمرات التي لا جدوى استراتيجية
منها مع تعويضات ضخمة سيتم المطالبة
بها في الغد القريب، فإن المسألة
الجوهرية تبقى في استمرار السياسة
التوسعية داخل الضفة الغربية التي
أصبحت محاطة من كل النواحي شمالاً
وجنوباً شرقاً وغرباً بالمستعمرات،
حتى أن العديد من هذه المستعمرات
توغل داخل الضفة الغربية وداخل المدن
الفلسطينية إلى جانب جدار الفصل العنصر
الذي يمتد إلى طول 660 كيلو متراً
وبعرض يصل أحياناً إلى مائتي متر
بما يحدث زلزالاً حقيقياً في الضفة
الغربية.
وفي هذا الإطار تستمر الحرب على الشعب
الفلسطيني بلا هوادة، ويواصل شارون
وحكومته التوغل في استخدام سياسة
القوة وفرض الأمر الواقع تمهيداً
للمرحلة اللاحقة من المشروع الصهيوني..
تلك المرحلة التي يجب أن نتخوف منها
جميعنا وأن نعد العدة لمواجهتها خصوصاً
وأنها تنطوي على تهجير جديد للفلسطينيين
من على أرضهم بعد أن أصبح مشروع الدولة
اليهودية الخالصة مشروعاً مقبولاً
لدى أوساط دولية نافذة.
إلى ذلك لا يجوز أن ننسى أن هذا القرار
صدر في إطار الحرب الظالمة التي تشنها
الجيوش البريطانية ـ الأمريكية على
العراق بالتعاون مع بعض القوى هنا
وهناك علماً بأن هذه الحرب التي اعتمدت
على مبررات غير قانونية وغير واقعية
ثبت بطلانها لا زالت مستمرة بوتيرة
أعلى مما يدل على أن المشروع الذي
استندت إليه هذه الحرب هو مشروع كبير
لها يتعلق بالعراق وحده. هذا المشروع
هو مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي
يستهدف إعادة بناء المنطقة سياسياً
واقتصادياً وثقافياً بما ينسجم مع
رؤية واشنطن انطلاقاً من العراق.
وعزوف الولايات المتحدة الأمريكية
عن الانسحاب من أراضي الرافدين يعكس
إرادة محمومة لبناء عراق ملتحق بواشنطن
وخاضعاً للتوجهات التي تتقاطع عندها
السياسة الأمريكية مع المشروع الصهيوني.
إذاً، هذا القرار لم يأت في الفراغ
وإنما أتى في سياق تفاعلات وتطورات
سياسية بالغة الأهمية والخطورة تمس
المنطقة ككل، وتتعلق بسياسة الولايات
المتحدة في المنطقة. وإذا كانت الإدارة
الأمريكية تعتمد إسرائيل قاعدة أساسية
لتنفيذ هذه السياسة، فإن إسرائيل
بدورها تعتمد الوجود الأمريكي في
المنطقة للمضي في مشروعها الاستيطاني
ومشروعها للسيطرة على المنطقة، وذلك
من خلال إنشاء مناخ سياسي عسكري أمني
يؤدي إلى توزع القوى ونشوء دويلات
يسهل السيطرة عليها. ومن هنا يمكن
فهم ما يجري في العراق من محاولات
لإذكاء الصراع الإثني والديني والطائفي
بعد أن فشلت تلك المحاولة في لبنان
بفضل وعي الشعب والمساعدة القوية
التي أمنتها سورية. جوهر الموضوع
أن هناك إرادة إسرائيلية أمريكية
ترى أن الطريق لتنفيذ هذا المشروع
التقسيمي يمر بتقييد حركة سورية في
المنطقة وفرض الانكفاء عليها داخل
حدودها والحد من دورها الإقليمي والقومي
الذي يفرض عليها بحكم تاريخها وتراثها
ورسالتها أن تكون قوة استقرار ووحدة
في المنطقة.. ومن هنا يمكن أن نفهم
قانون محاسبة سورية والضغوط المتواصلة
التي تتعرض لها.
ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم الأبعاد
السياسية الحقيقية لهذا القرار الذي
صدر في 2/9/2004 عبر مجلس الأمن.
ماذا يقول القرار 1559؟
أولاً: يؤكد القرار على سيادة لبنان
وسلامة أراضيه ووحدته واستقلاله تحت
السلطة الوحيدة والحصرية للحكومة
اللبنانية.
ثانياً: يطالب جميع القوات الأجنبية
الباقية بالانسحاب من لبنان وهذا
يعني مباشرة الطلب من القوات السورية
الانكفاء إلى الداخل السوري.
ثالثاً: يدعو إلى حل ونزع أسلحة ميليشيات
القوى اللبنانية وغير اللبنانية ويدعو
إلى إجراء عملية انتخابية حرة عادلة
بالنسبة لرئاسة الجمهورية، ثم أخيراً
يدعو إلى التعاون من جانب كل الأطراف
مع مجلس الأمن من أجل التنفيذ الكامل
لهذا القرار وكافة القرارات ذات الصلة
المتعلقة باستعادة وحدة أراضي لبنان
وسيادته الكاملة.
يتبين من مضمون القرار أنه يستهدف
تدويل العلاقة اللبنانية السورية
وجعلها بعهدة مجلس الأمن الدولي وبالتالي
تحويل العلاقة القومية الأخوية بين
بلدين شقيقين تربطهما علاقات مشتركة
ومصالح مشتركة وتاريخ مشترك إلى وضعية
دولية بعد فك عرى هذه العلاقة والفصل
بين المسارين اللبناني والسوري. ويرمي
هذا القرار أيضاً إلى محاصرة سورية
وإبعادها عن حقيقتها القومية ودورها
الإقليمي وتمهيد الطريق إلى فرض النظرة
الأمريكية للمنطقة، لا سيما فيما
يتعلق بالعراق والنظرة الإسرائيلية
تجاه فلسطين وإلزام الأطراف المعنية
القبول بهذه السياسة وبهذا المنطق
بحيث تستطيع إسرائيل أن تتحرك بحرية
وتستطيع الإدارة الأمريكية اليمينية
المحافظة أن تواصل تنفيذ مشروعها
في المنطقة.
وإذا ما دققنا البحث نكتشف وجود مغايرة
واضحة بين المبررات القانونية التي
استند إليها القرار وبين الخلفية
القانونية لميثاق الأمم المتحدة،
وهنا أشير إلى أن الفقرة /7/ من المادة
/2/ من الميثاق (ميثاق الأمم المتحدة)
تقول بأنه لا يجوز لأي دولة أو للأمم
المتحدة نفسها التدخل في الشؤون الداخلية
لأي دولة، وأي دولة هي حرة في اختيار
نظامها السياسي أو عقد اتفاقيات مع
دول أخرى على اعتبار أن ذلك كله من
صميم السلطان الداخلي للدولة وهو
من صميم حقها في ممارسة سيادتها على
أرضها.
إذا عندما يتحدث القرار عن سحب القوات
السورية فهو يتجاهل أن وجود القوات
السورية في لبنان هو ناجم عن اتفاقيات
رسمية بين دولتين مستقلتين، سورية
ولبنان. فالبلدان عقدا اتفاقيات معروفة
ومعلنة عقدا تتواجد بموجبه القوات
العربية السورية داخل لبنان، ويعود
لهذين البلدين أن يقررا بشأنها وليس
أي دولة أو حتى الأمم المتحدة، خصوصاً
وإن هذا الوجود هو عامل استقرار داخلي
في لبنان، ويساعد على الاستقرار الاستراتيجي
في المنطقة وليس هناك أي شكوى لبنانية
حول هذا الوجود.
ثانياً: إذ يتطرق القرار إلى موضوع
حل الميليشيات وسحب سلاحها يمكن القول
إن هذا البند في هذا القرار أيضاً
يتجاوز الواقع القانوني لهذه المنظمة،
إذ إن المنظمة اللبنانية المقصودة
هنا هي حزب الله بالدرجة الأولى،
وحزب الله هو حزب لبناني. مؤسسة سياسية
لها جناح عسكري وتعمل على الأراضي
اللبنانية واستمدت شرعيتها من مقاومتها
للاحتلال. وكلنا يتذكر أنه في عام
1996 حصل تفاهم نيسان تم فيه تكريس
شرعية المقاومة في لبنان من جانب
القوى الدولية ومن بينها أمريكا وفرنسا
نفسهما وهما حالياً الطرفان الأساسيان
في استصدار القرار 1559. وهذه المنظمة
تعمل بالتنسيق مع الدولة اللبنانية
خصوصاً وإن الصراع لم يعقد أوزاره
في المنطقة ولأن الوضع لا زال غير
مستقر والاحتلال الصهيوني لفلسطين
هو في حالة توسع كما أن هناك احتلالاً
لا زال جاثماً على الأرض اللبنانية
في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا كما
أن الاحتلال الصهيوني لا زال موجوداً
في الجولان السوري في الوقت الذي
تمتنع فيه إسرائيل عن تنفيذ كل القرارات
الصادرة عن الأمم المتحدة.
وإذا كان القرار 1559 يستهدف تنفيذ
كل القرارات ذات الصلة فلبنان يريد
أن ينسجم مع الشرعية الدولية ومع
اتفاقية الطائف، ومن هنا يطالب بألا
يكون هذا القرار قراراً انتقائياً
معلقاً في الهواء وحده، وأن يتم تنفيذ
كل القرارات ذات الصلة بحيث يستطيع
لبنان أن يطمئن إلى أن هناك وضعية
جديدة في المنطقة وإلى أن هناك مفاوضات
سياسية تستهدف تنفيذ قرارات مجلس
الأمن السابقة وإلى أن حق العودة
مكفول للفلسطينيين. وإذ يدعي القرار
الغيرة على لبنان وعلى استقلاله وعلى
دستوره فنحن نقول بكل بساطة أن الغيرة
يجب أن تبدأ من خلال تنفيذ القرارات
ذات الصلة، من خلال تكريس حق العودة
للفلسطينيين ومن خلال إعطاء الفلسطينيين
ما سلم به مجلس الأمن وما سلمت به
الشرعية الدولية، لكن الذي يجري هو
أن المحاولات لا تتوقف لإقناعنا بعدم
جدوى القرار 194 القاضي بتكريس حق
العودة للفلسطينيين إلى ديارهم وقراهم،
وهذا أمر يخلق حالة سياسية متوترة
في المنطقة عامة ولبنان خاصة، ويعبر
عن آفاق المشروع الصهيوني الذي يرفض
عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، ويهيء
الأجواء إلى تهجير ما تبقى منهم على
أرضهم الفلسطينية. ولو كان القرار
يريد مصلحة لبنان لتم تأكيد حق العودة
وتم البدء بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة
الأخرى حتى يستطيع لبنان أن يتكيف
مع هذه الأمور ويسعى إلى القيام بواجباته
في هذا الصدد.
إن رفض حق العودة لا ينسف الدستور
اللبناني من أساسه فحسب وإنما يهدد
الكيان اللبناني أيضاً بمصير لا يمكن
أن يقبل به الشعب اللبناني. أما بالنسبة
إلى المخيمات الفلسطينية التي يدعو
القرار إلى سحب السلاح منها فنقول
إن هذه المخيمات موجودة بسبب الصراع
العربي الإسرائيلي الذي يتجاهله القرار
1559. وهي موجودة بعلم وإرادة وموافقة
الدولة اللبنانية، وهي موجودة بعلم
وإرادة ومساعدة الأمم المتحدة. وعندما
أنشء الكيان الإسرائيلي بموجب قرار
صادر عن الأمم المتحدة. وكان في القرار
نفسه شق يتعلق بإنشاء الدولة الفلسطينية
ومساعدة اللاجئين الفلسطينيين على
العودة إلى ديارهم. تم تنفيذ الشق
الأول ولكن الشق الثاني لم ينفذ إطلاقاً
وهم اليوم يريدون منا أن ننفذ بعض
القرارات الجزئية الناتجة عن هذه
المشكلة الكبرى.
الخلاصة أن هذا القرار يبقى قراراً
سياسياً ويعكس مصالح الأطراف الأساسية
التي استصدرته، وإذا كان لنا من مواقف
نتخذها حيال هذا القرار فيجب أن تنطلق
من وحدة الموقف السوري اللبناني..
وصولاً إلى وحدة الموقف العربي ويجب
التنبه إلى ضرورة التنسيق الحقيقي
بين سورية ولبنان. لأن هذا التنسيق
ليس موجوداً بالمستوى المطلوب. يجب
عقد اجتماعات على مستوى القمة من
أجل تفعيل معاهدة التنسيق والتعاون
والأخوة بين البلدين حتى تصبح هذه
المعاهدة حقيقة معروفة على المستوى
الدولي. كما أنه يجب مقاربة هذا القرار
الذي يمس سيادتنا ومستقبلنا بأسلوب
جديد بعيداً عن الانفعال أو النمطية.
لا يجوز الاستسلام لهذا القرار ولا
يجوز تجاهله، ففي الحالين سنسقط في
متاهات وسنتعرض لخسائر. يجب التعامل
مع هذا القرار بذهنية جديدة وبأسلوب
ذكي كي نستطيع أن نستوعب آثاره وانعكاساته،
خصوصاً في ظل هذه الهجمة السياسية
التي تستهدف المنطقة بثرواتها ووجودها
وإمكاناتها. يجب أن نحول دون تحقيق
هذه الأهداف من خلال المرونة السياسية
التي تتمسك بالثوابت القومية وتنطلق
منها لإقناع المجتمعات الدولية بصحة
وجهة النظر اللبنانية والسورية.
ومن المهم هنا أن نتوجه إلى الجمعية
العامة للأمم المتحدة كي نستصدر منها
قراراً نعود من خلاله إلى محكمة العدل
الدولية في لاهاي للنظر في صحة هذا
القرار من الناحيتين القانونية والسياسية
باعتباره صادراً عن جهة دولية ويحق
لنا أن نسائل هذا القرار وأصحابه.
ومن هنا الحاجة إلى مبادرات سياسية
متلاحقة على الصعيد العربي كما على
الصعيد الدولي بحيث نستطيع أن نواجه
هذا القرار وأن نحافظ على استقلالنا
وعلى سيادتنا.