الصفحة الرئيسية - عودة
 
 
 
ندوة حول أزمة دارفور بين التدخل الخارجي والحل الداخلي
نص محاضرة الدكتور عماد فوزي شُعيبي
 


دارفور: مدخل إلى توصيف سياسي
من المؤكد بالنسبة لنا أن مفتاح فهم هذا الاهتمام بموضوع دار فور على هذه الشاكلة الدولية إنما هو سياسي بالمعنى الحصري للكلمة ؛ أي المقصود به إكمالاً للمشروع الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية منذ الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ، لتأكيد أحادية قيادتها للعالم، خصوصاً بعد أن منيت الحرب الاستباقية في العراق بوضع يكاد يحتم مع الوقت إعادة النظر بوسائل تلك الاستراتيجية لكنه لن يعيد النظر في متنها.
في دارفور ؛ نعني في السودان تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد أكملت سلسلة تدخلاتها في ساحة العمليات التي اختارتها لاستعراض قوتها العسكرية كقوة عظمى وحيدة، وهذه الساحة هي عملياً ساحة الإمبراطورية البريطانية السابقة الممتدة من الهند إلى السودان.
هذه المساحة الممتدة في آسيا وإفريقيا حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. وواضح أن هنالك (ثقوباً) لم يتم ترميمها في هذه المساحة وهي إيران المحسوبة على ميراث! تلك الإمبراطورية والسودان. فضلاً عن الحقل الجغرافي لسورية ولبنان المحسوبتين على الإمبراطورية الفرنسي واللتين بسبب السياسة السورية تتعرضان لضغط كبير نظراً لإصرارهما على الاستقلال الوظيفي إقليماً وعدم قبول معادلة الدوران في فلك الولايات المتحدة ، وعدم قبول الأخيرة لدور لأحد ضمن معادلة مقاسمة الإرادات.
السودان يقع ضمن هذا المنظورفهو يتمم المساحة العملياتية لحقل الانتقال من نظام عالمي إلى آخر.
المخاطر المترتبة على الأمر أن هذا الصراع قد تم تدويله بصورة أو بأخرى، وهو بربطه بتدويل العلاقات السورية- اللبنانية عبر القرار 1559 ، مما يفرز الرؤية التي يتبناها المحافظون الجدد والمتمثلة بالإطاحة بمبدأ السيادة للدول تحت عناوين مبسترة كالديموقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب بضرب الأنظمة التي لا تتوافق مع المعادلة الليبرالية على النموذج الأمريكي ووفقاً لدستوره الذي يرونه بكلمة أفضل دستور في العالم وهو قابل لأن يكون دستوراً لكل دول العالم.

هذه الطريقة في تعديل قواعد التعامل في المنظمة الدولية لها ما يبررها في عقلية اليمين الجديد وهي تتلخص في أن كل القواعد الموروثة عن الحرب العالمية الثانية قد تغيرت ، بما فيها قاعدة السيادة والمقاومة وحق الشعوب في تقرير مصيرها؛ إذ أن النزعة التبشيرية الإيديولوجية لهؤلاء تتجاوز المنطق الذي ساد طويلاً لفهم الحركة السياسية أو العسكرية الأمريكية ؛ نعني المصالح وحدها.
ولهذا فإننا مهما عالجنا من مُعطيات للوضع في السودان فإننا لا يجب أن نقع في مطب الفصل بينه وبين ترتيب أمور المنطقة بأسرها.
القضية في السودان داخلياً تحكمها العوامل السياسية والاقتصادية والقبلية معا، ويصبح الواقع غير مجدٍ عند محاولة قراءة كل عامل من هذه العوامل على حدا ، ذلك أن الكل ليس المجموع الساكن لعناصره .
ولهذا لا بد من عرض مسهب للوقائع الداخلية كما تُسطر في الأدبيات الجغرافية وهي تشكل مدخلاً لرؤية التفاصيل التي تغفلها المعاملات الدولية التي تريد أن تتخذ من دارفور مدخلاً لإنهاء مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي ، وهو ما يشكِّل جزءاً من طريقة فهم المحافظين الجدد لآلية مكافحة الإرهاب وفقاً لصورة نمطية (خارجية)!.
• الموقع الجغرافي
سميت دارفور بهذا الاسم نسبة إلى القبيلة الأكبر في الإقليم وهي قبيلة دار الفور ، وقد شهد الإقليم استقلالا ذاتيا استمر حتى عام 1916 قبل دخوله في حدود السودان الكبير .
يقع الإقليم في أقصى غرب السودان، ويمتد بين خطي العرض 9 - 20 شمالاً، وخطي الطول 16 - 27.3 شرقاً، تبلغ مساحة الإقليم 510 ألف كم2 أي حوالي خمس مساحة السودان البالغة 2.505.000 كلم2 .ويقدر تعداد سكانه بـ 6 مليون نسمة ( خمس سكان البلاد ) حسب إحصاء عام 2004 ، وهم منقسمون إلى ثلاث ولايات هي شمال وجنوب وغرب دارفور، وينتمون لقبائل شتى كالفور، البني حلبة، التنجر، البرني، الهبانية، الزغارة، الزيادية، الرزيقات، المساليت، العالية، التعايشة، الميدوب، البرقد، المسيرية، العريقات، العطيفات، الغلاتة، القمر، بني منصور، التعالبة، .... الخ.
يحترف معظم أهل دارفور الزراعة والرعي كحرفتين أساسيتين وهما محور القاعدة التي على أساسها يتموضع الاحتراب، ويتحرك معظم المواطنون بحيواناتهم في أراضي واسعة يتراوح مناخها من السافنا الغنية إلى المناخ الصحراوي، وتبعاً لذلك تختلف درجات الغطاء النباتي، ويتفاوت توفر المياه باختلاف فصول السنة مع شحها عموماً مما يتحتم معه حركة الرعاة في المنطقة طلباً للكلأ والماء .
وتعتبر دارفور البوابة الغربية للسودان حيث توجد حدود مشتركة بينها وبين كل من الجماهيرية العربية الليبية، وجمهوريتي تشاد وأفريقيا الوسطى اللتين لا توجد فواصل طبيعية بينهما وبين دارفور، وعليه ثمة حركة تواصل اجتماعي وثقافي واقتصادي بين مواطني دارفور وهذه المناطق الحدودية الذين يمثلون امتدادا للمجموعات الأثينية والكيانات القبلية التي تعيش في الجانب الآخر من الحدود الدولية التي تم شطرها إبان فترة الاستعمار حينما جرى تقسيم القارة السمراء بين دول أوروبا المستعمرة في طاولة المفاوضات في مؤتمر برلين عام 1885م.
• قبائل دارفور
تعيش في دارفور 85 قبيلة عربية وأفريقية وتبلغ نسبة الأفارقة بين سكان دارفور 60% فيما تبلغ نسبة العرب 40%. وهذا عامل يجب أخذه بعين الاعتبار لفهم ماذا يحدث وتعيش غالبية قبائل الزغاوة والمساليت والفور ذات الأصول الإفريقية على الزراعة، ويقطنون حول جبل مرة وغرب دارفور، وتعيش الزغاوة والتنجر والداجو في الجزء الغربي من شمال دارفور. في حين تعتمد معظم قبائل بني هلبة وبني فضل والتعايشة والهبانية والزيادية والرزيقات والبقارة ذات الأصول العربية على الرعي ، والمتوجدة في جنوب وغرب دارفور .
وتنقسم القبائل في دارفور إلى:" مجموعات القبائل المستقرة " في المناطق الريفية مثل "الفور" و"والزغاوة"، و" الداجو" و" التنجر" و"التامة" ، إضافة إلى مجموعة القبائل الرحل التي تنتقل من مكان لآخر، ووفدت للمنطقة مثل:"أبالة" و"زيلات" ومحاميد ومهربة وبني حسين والرزيقات والمعالية، كما أن غالبية سكان دارفور مسلمون "سنة".
ولا تتوقف التركيبة السكانية لدرافور عند هذا الحد ، بل توجد قباءئل أخرى متعددة من بينها الهبانية ، المعاليا ، والقمر ، الفلاتة ، وغيرها من القبائل الصغيرة عددا بالمقارنة مع القبائل الكبيرة الأخرى .
تتكلم غالبية القبائل المستقرة من الأفارقة لغات محلية بالإضافة للعربية، كما أن بعضهم من أصول عربية، أما غالبية قبائل الرحل فهم من العرب ويتحدثون اللغة العربية، كما أن من بينهم بعض الأفارقة.
وقد عاش الرحل والمجموعات المستقرة وشبه الرعوية والمزارعين في دارفور في انسجام تام منذ قديم الزمان، وهناك علاقات مصاهرة بينهما، واعتادت مجموعات الرحل التنقل في فترات الجفاف إلى مناطق المزارعين بعد جني الثمار، وهذه العملية يتم تنظيمها في اتفاقات محلية بين القبائل، وإن لم يخل الأمر في أوقات الجفاف والتصحر، من بعض المناوشات المتكررة بين الرحل والمزارعين ولكن على نطاق ضيق، فسرعان ما كان يجري حلها.

وليست الصراعات القبلية حدثا طارئا السودان عموما وعلى إقليم دارفور خصوصا ، فالإقليم ذو تاريخ مليء بهذه الصراعات نتيجة الاقتصاد البدائي القائم على الرعي المتنقل والزراعة المستقرة التي تعتمد على ما يسمى بنظام الحواكير والمراحيل.
ولقد كان العرف القبلي هو الناظم الأساسي للعلاقة المتبادلة بين المجموعات المستقرة والمجموعات المتنقلة ، وكانت هذه العلاقة في معظم الأحول علاقة تكافلية من حيث المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة ، لكن بنية النظام القبلي للاقتصاد في دارفور المعتمدة في الحواكير والمراحيل هي بنية إشكالية بحد ذاتها، ونتيجة لهذا التقليد نشأت أزمات عيش بين القبائل المختلفة حول الرعي الجائر خارج حدود المرحال ، والزراعة العشوائية ، وطرائق مرور الأرض وهي طرائق يستخدمها المزارعون لنظافة الأرض ، ونزاعات حول الحواكير وصلت أحيانا إلى النزاع داخل الحاكورة الواحدة .
وكثيرا ما كانت هذه الخلافات أو الصراعات تحل عن طريق تدخل الدولة، اي ان دور الدولة كان توافقياً ، أو عن طريق شيوخ القبائل والأعيان ، أو عن طريق وساطات من الإدارات الأهلية التي كانت تلزم هذا الطرف أو ذاك بدفع تعويضات مالية للطرف المتضرر .
وقد جرى في الحقب الماضية مؤتمرات صلح عديدة بين مختلف القبائل حيث سنلاحظ في الجدول التالي أن أغلب الصراعات كانت بين الأفارقة مما يرفع عن مشكلة دار فور أي شبهة حول إثنية الصراع فهي بكلمة صراع قبلي رعوي بامتياز :

مؤتمر الــــزغاوة _ القمـــــــــر أفارقة
مؤتمر الــــزغاوة _ الميمـــــــــا أفارقة
مؤتمر الـــزغاوة _ البـــــــــرتي أفارقة
مؤتمر الـــزغاوة _ البــــــــرقــد أفارقة
مؤتمر الـرزيقـات _ المعـــــالية عـــرب
مؤتمر المهـــرية _ بنـــي هلبة عـــرب
مؤتمر التعـايشة _ الســــلامات عـــرب
مؤتمر الكبـابيش _ الميـــــــدوب عـــرب
مؤتمر البـــــرتي _ الميـــــــدوب أفارقة / عرب

تبين هذه المؤتمرات أن الصراع في دارفور لم يكن صراع بين القبائل العربية والقبائل الأفريقية ، بل هو صراع كثيرا ما كان يجري داخل القبائل ذات الأصل الإثني الواحد ، وذلك لأن الخلاف في أساسه ليس خلافا عرقيا بقدر ما هو خلاف اقتصادي من أجل حيازة المراعي ومصادرة المياه .
وبفعل التقاليد القبلية التي تحكم الأنشطة الاقتصادية في الإقليم ، كان من الطبيعي أن يأخذ الصراع الاقتصادي أبعاداً قبلية ، لكن هذا الصراع تعقد ودخل مراحل متطورة بفعل عوامل عدة منها : موجات الجفاف التي شهداها الإقليم في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ، والحرب الأهلية في التشاد في سبعينيات وثمانينيات القرن نفسه وانعكاساتها على العلاقات بين القبائل على شطري الحدود بين السودان والتشاد ، وضعف التنمية ،وتدخل الدولة الاعتباطي ، فضلا عن التاريخ السياسي للإقليم ذاته المليء بالأزمات .

وقد أدت إفرازات النزاعات الإقليمية لدور مُضاف ومنها الخلافات التشادية الداخلية منذ أوائل السبعينات ، والصراع الليبي _ التشادي حول منطقة أوزو والصراعات الداخلية لإفريقيا الوسطى والحرب الأهلية في جنوب السودان إلى انتشار الأسلحة بمختلف أنواعها وتكديسها لدى المواطنين في بيئة يصعب على الدولة والوجود الحكومي تعقبها، وهو عامل مُضاف إلى تلك المُعادلة .
وعلى الرغم من إرجاع الحكومة السودانية تراجع التنمية في دارفور إلى الإحداث الجارية في الإقليم مع العوامل المناخية المذكورة سابقا ، ومحــاولاتها القيام بما يلزم لدفع التنمية قدما ، يؤكد المتمردون وكثير من المراقبين أن انعدام البنية التحتية للصناعة والتجارة والتعليم والنقل والخلل السياسي ، وما فرضته من تكريس الصراع حول الأراضي الزراعية والمرعى والثروة الحيوانية ، وسيادة الانتماء القبلي على الانتماء للأمة وإضعاف التركيبة الاجتماعية ، هي من بين الأسباب الرئيسية والفاعلة وراء قيام حركات التمرد في الإقليم ضد الدولة.
وقد كانت الشكوى المعلنة لأهل التمرد في دارفور هي التمييز السلبي الذي تمارسه الحكومة ضدهم بسبب ثقافتهم الأفريقية وأعمالهم اليدوية من جهة ، وبسبب تشكل النخب السياسية الحديثة في السودان من أهل الوسط والشمال فقط إذ لم يتول أهل الغرب عموماً ودارفور خصوصاً حكم السودان منذ الدولة المهدية قبل مائة عام، وعلى الرغم من تعيين الدولة مسؤولين من دارفور في مناصب رفيعة، إلا أن ولاء هؤلاء المسؤولين ظل للعاصمة الخرطوم وسياسيها وليس لقضايا دارفور ومطالب أهلها ومما يزيد الصورة وضوحاً غموض مطالب الحركات المتمردة في دارفور، ففي البداية كانت مهمة هذه الحركات صد الهجمات الموجهة ضدها، ثم بعد ذلك بدأ الحديث عن طرد القبائل العربية من الإقليم ومحاسبة الحكومة عن ضعف التنمية ليصل الأمر بعد ذلك إلى المطالبة بالاستقلال للعودة إلى سلطته القوية، أو إعادة تعين منصب رئاسة الجمهورية على أساس عرقي، ومنح بعض الوزارات السيادية للإقليم.
اختلاف المطالب هذا ترافق أيضاً مع اختلاجات فكرية بين الحركات السياسية المتمردة في دارفور ظهرت من خلال التصريحات المتناقضة لهذه الحركات، فبعد أن تبنى حزب العدالة والمساواة العمليات العسكرية ضد أهداف الدولة في دارفور تبنت حركة تحرير دارفور التي غيرت اسمها إلى حركة تحرير السودان العمليات ذاتها.
ثم قامت الحركة الأخيرة بالإعلان عن وجود تفاهم وتحالف مع حزب العدالة والمساواة، لتنفي بعد مدة وجيزة ليس قيام مثل هذا التحالف فحسب بل لتنفي أيضاً إعلانها السابق عن مسؤوليتها عن العمليات العسكرية في دارفور إلى أن وصل الأمر بالحركة إلى إعلانها رغبتها العودة إلى انتمائها السابق مع الإسلاميين.
وعليه يمكن القول إن هذا التباين في مطالب وتصريحات المتمردين يعود إلى غياب أجندة سياسية أو منهج سياسي واضح ، وهذا يعني أن المسألة لا تعدو أكثر من الرغبة في تحقيق بعض الأهداف الداخلية التي لا ترقى إلى الاستقلال والحكم الذاتي كما حدث في الجنوب.
ومع النجاح الذي حققته الحركة الإسلامية بزعامة حسن الترابي ، تفجرت أزمة داخل إذا كانت أولى المهام المناطة بالدولة كي تسود إضعاف قوى الإقليم من خلال ضرب البنية التحتية للمجتمع حتى يسهل تفكيكه وإعادة تشكيله من جديد ، وقد كانت العقبة الأساسية هي الإدارة الأهلية.
وبدأ المخطط الفعلي حين قامت الحكومة بتقسيم الإقليم إلى عدد أكبر من الوحدات الإدارية الصغيرة ، وإصدار قرار في عام 1995 بتقسيم دار مساليت والمنطقة الغربية إلى 34 وحدة إدارية محلية ، ثم إصدار قرارات بخلق 6 عموديات إدارية لمجموعة القبائل العربية ، ثم ازدادت عملية تقسيم الإقليم لتصل من 9 ولايات إلى 26 ولاية ، ومن 19 محافظة إلى 121 ، ومن 126 محلية إلى 674 .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل قامت الحكومة السودانية بابتداع ألقاب جديدة كلقب الأمير الذي منحته السلطة صلاحيات واسعة مقابل النظار وقيادات الإدارة الأهلية غير المرغوب فيهم ، وكانت النتيجة زلزلة البنية القبلية للقبيلة ذاتها من خلال صناعة رموز لا أساس قبلي لها ، لكن هذا الوضع خلق تناقضا شديدا ، إذ في الوقت الذي عملت الحكومة على تفتيت الإدارة القبلية ، تحولت القبيلة وفي ظل غياب القوى السياسية الأخرى كالأحزاب إلى قوة حقيقية ، الأمر الذي أدى إلى اختلاط الأمور في بعضها البعض ، وانفلتت الأعراف القبلية . ولا نعرف إذا كان المطلوب هنا البحث عن دولة عصرية أم سيادة منطق الرؤية الواحدية.
في ظل هذه الظروف استمرت جراحات الحركة الإسلامية ، حيث وجه الإقليم مرة أخرى ضربة للحركة الإسلامية وحكوماتها، من القلب هذه المرة.
حدث هذا في عام 1996 في مؤتمر تأسيس الحزب الوطني الحاكم حين تكتل أعضاء الحزب ضد مرشح القيادة والحكم لأمانة الحزب ولصالح مرشح من الإقليم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن كتلة دارفور في المؤتمر سعت لبناء تكتل من الأقاليم الأخرى لصالح مرشحها مما كان من شأنه لو نجح أن يكون بمثابة انقلاب أبيض داخل الحكومة.
وتوالت التطورات إلى أن تفجر الصراع وبلغ مداه في نهاية عقد التسعينات نتيجة خلافات الإسلاميين العميقة التي طفت على السطح بعد أن كانت ساكنة طوال أكثر من عقد كامل ، لينتهي المطاف بالحركة إلى الانشقاق إلى المؤتمر الوطني الحاكم ، والمؤتمر الشعبي بزعامة الترابي .
وبعد عملية الانشقاق بدأت الاتهامات توجه إلى حركة الترابي لدعمها الحركات المتمردة في دارفور وهنالك رؤية تشير إلى أن ما يحدث في دارفور من أحداث هو الجانب العملي غير المنصوص عليه في اتفاق جنيف بين الحركة الشعبية (حركة غارانغ) بحيث يقوم المؤتمر الشعبي بفتح جبهة عسكرية في الغرب بحكم أن عدداً كبيراً من عضويته من تلك المناطق.. وذلك بتشكيل تحالف على أساس اتحاد الأطراف على "المركز" لتغيير معادلة السلطة والثروة في السودان.. وأصحاب هذا الرأي يستدلون على مذهبهم ذلك بعدة مؤشرات:
الأول: أن الصراع في الحزب الحاكم أخذ في بدايته طابع الصراع على أمور ولائية تتعلق بانتخاب الولاة، وأن الترابي عبر جولاته الولائية قبل المؤتمر العام الذي سبق الانقسام سعى للاستنصار بالولايات لمقارعة المركز، واستطاع حشد 10 آلاف ضد أصحاب مذكرة العشرة.
الثاني: الترابي في مقال له نشر في صحيفة "الشرق الأوسط" كتبه من داخل محبسه في كافوري بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أشار لمجموعات إثنية محددة بأنها مظلومة لحد يقارب ما يحدث في جنوب أفريقيا.
الثالث: أن البيان الذي أصدره المؤتمر الشعبي عقب أحداث دارفور ونشر في موقع "آخر لحظة" على الإنترنيت لم تتم فيه إدانة الأحداث؛ بل ذهب في اتجاه تبريرها بعبارات عامة دون تحديد يجر على قيادة الحزب بالخرطوم مساءلات أمنية.
في شباط\ فبراير من العام 2003 انطلقت العمليات العسكرية في دارفور باستيلاء مجموعات مسلحة مجهولة على حامية قولو في جبل مرة، ما أدى إلى انطلاق العمليات العسكرية بسرعة فائقة إلى مدن كتم والفاشر وغيرها، الأمر الذي أذهل كل المراقبين واللاعبين بمن فيهم الحكومة السودانية نفسها و التي تعرضت قواتها لهزائم ماحقة على يد المتمردين طوال شهور العام السابق.
و على الرغم من التكنهات المختلفة ومحاولات العديدين تصنيف القوى المسلحة حسب موقعهم من الصراع، فقد اتضح أن المجموعات المقاتلة متعددة وذات قيادات مختلفة ظهرت من بينها :
حركة تحرير السودان قطاع دارفور (جبهة تحرير دارفور سابقاً):
ظهرت إلى العلن في نهاية شباط/فبراير 2003 ، وهي حركة ينتمي معظم أعضائها لفرع تور من قبيلة الزغاوة، وينحصر نشاط هذا التنظيم في مناطق دار زغاوة (أميرو ـ كرنوي ـ أبو قمرة ـ الطينة)، ويتزعمه "منى أركو مناي"، و"عبد الله أبو بكر". وهذه المجموعة بالذات بدأت بمطالب ذات طابع محلي دون أن تقرن ذلك بأية أبعاد أو مطالب سياسية، غير أن هذا الوضع تغير بشكل فجائي في اتجاه معاكس تماماً في الآونة الأخيرة و ذلك من وجهة نظر الحكومة ناتج عن تدخل عناصر من حزب المؤتمر الشعبي من بينها "سليمان جاموس"، و"أبو بكر حامد".
حركة العدالة والمساواة:
وهي من فرع آخر من قبيلة الزغاوة، وتسمى (زغاوة كوبي)، وتتواجد في مناطق كلبس، وجرجيرة وطندباية على الشريط الحدودي مع تشاد، ويتزعمها "د.خليل إبراهيم". ورغم أن هذه الحركة قد بدأت كفئة تسعى لتحقيق التنمية المتوازنة لإقليم دارفور إلا أنها جنحت لأغراض وغايات سياسية في الآونة الأخيرة بتبنيها الواضح لأطروحات المؤتمر الشعبي، كما نجحت هذه المجموعة في تحقيق تنسيق عسكري وسياسي مع المجموعة الأولى (حركة تحرير السودان)، حيث تتهمهما الحكومة بالعمل على تأجيج القتال، وترويع المواطنين، وتعريض حياتهم وممتلكاتهم للخطر. و بتسبب هذه المجموعة في إفشال مفاوضات أنجمينا التي دارت حول محاولة الوصول إلى حل لمشكلة الإقليم بطرحها لقضايا ومطالب لم تكن واردة أصلاً في اتفاق أبشي الإطاري الموقع بتاريخ 3 سبتمبر 2003م بين الحكومة وحركة تحرير السودان.
الاتحاد الفدرالي الديموقراطي:
وهو أحد الأحزاب السياسية ، وأسسه المهندس "أحمد إبراهيم دريج" الذي تقلد العديد من المناصب كان آخرها حاكم إقليم دارفور في أواخر عهد الرئيس الأسبق "جعفر النميري". والمهندس "أحمد إبراهيم دريج" من أبناء قبيلة الفور، وقد انضم بحزبه إلى التجمع الوطني الديموقراطي. غير أن تياراُ من هذا الحزب قاده نائبه "شريف حرير" سلك نهجاً مغايراً حيث تبنى أسلوب العنف والحرب كوسيلة للوصول إلى السلطة، وقام بتدريب بعض الكوادر على القتال وذلك لتحقيق أهدافٍ خاصة على ما يبدو و هو يدعم في الوقت الحاضر متمردي دارفور.
و بالإضافة إلى كل تلك المجموعات فإن هناك مجموعة متمردة من أبناء القبائل العربية، ممن لم يتفقوا مع قادة التمرد الآخرين، وانضموا لاحقاً للحكومة لكي يشكلوا النواة لما عرف لاحقاً بميليشيات "الجنجويد".
فمن هم الجنجويد و ما هو دورهم في الصراع الحالي ؟
الجنجويد : هم من العرب الذين يعملون في مجال الرعي، ولا يختلفون عن القبائل الزنجية من حيث اللون، يعيشون في الغابات والجبال. ويتجولون بين السودان وإفريقيا وتشاد. حيث أن لهم سلالات في أكثر من دولة واحدة.
و قد استقر بعضهم في قرى ومدن القبائل الزنجية. كما أن بعض من أفراد القبائل الزنجية وتزوجوا منهم، وأصبحت تربطهم علاقة اجتماعية بهم.
و في عام 1983 عندما بدأت الأمطار تقل بإقليم دارفور، ، تأثر الرعي في الغابات والجبال، ترك معظم الجنجويد الغابات والجبال، وتوافدوا إلى الوديان، حيث مزارع القبائل الزنجية ترعى. فبدأت الصدامات. وأصبح الود الذي كان بينهم مفقوداً، حيث كان سابقاً إذا ما حصلت صدامات، سرعان ما يقوم المشايخ وأعيان القبائل باحتوائها، وظلت الأحوال هكذا حتى عام 1985، عندما ضرب الجفاف والتصحر إقليم دارفور. فماتت معظم بهائم الجنجويد، بسبب الجفاف.
و لأنه ليس لهم معرفة بمهنة من المهن حتى تدوم إقامتهم في الإقليم الذي لا يعرفونه جيداً . لجأوا إلى النهب، وسلب ممتلكات قبائل دار فور. وتطور هذا النهب إلى تشكيل جماعات مسلحة استغلت ضعف الحكومة الديموقراطية في ذلك الوقت. كما أن الانتهازيين في الحكومة، في ذلك الوقت، استغلوا الجنجويد للأغراض السياسية.
فتحت مسمى "التجمع العربي" التقت مجموعات من القبائل العربية، ما أدى إلى نشوب حرب أهلية في دارفور، أولها كانت بين الزغاوة وهذه المجموعات، وبعدها بين الفور ومجموعات "التجمع العربي"، والحرب بين المساليت والمجموعات نفسها، ثم حرب الزغاوة مع مجموعات "التجمع العربي" مرة أخرى. و أخيراً الحرب الحالية.
و هي الحرب التي بدأت بتمرد كان معزولاً في البداية عن القيادات الدارفورية القديمة، ويبدو أن تنظيمه الأساسي وهو حركة تحرير السودان، قد أُسس من قبل شباب لهم تجربة سياسية ضعيفة وعلاقات عالمية محدودة ولكن لهم خبرة عسكرية وموارد مالية قوية. بينما اتجهت أصابع الاتهام للمؤتمر الشعبي و"حسن الترابي" بالوقوف خلف حركة العدالة والمساواة وأفلحت الحكومة في تحييد المتمردين من القبائل العربية، وجرهم إلى صفوفها.
أما الحكومة من جانبها فقد تعاملت مع التمرد باستخفاف في البداية، وأصرت على أنه هجمات من قبل قطاع الطرق، وهي بهذا قد أغلقت الأبواب أمام أي حل سياسي في بداية الصراع، وفي المراحل اللاحقة ركزت الحكومة على أن حركة تحرير السودان تلقى الدعم من الحركة الشعبية لتحرير السودان وإريتريا وأطراف خارجية أخرى ذكرت منها بعض عناصر الجيش والمخابرات الليبية والتشادية، وأن حركة العدالة والمساواة إنما هي من بنات أفكار وتنفيذ خصمها العنيد "حسن الترابي".
و بالإضافة إلى كل ذلك فإن هناك من يعتقد بانخراط عناصر إقليمية مختلفة في الصراع الدائر في دارفور، حيث نسبت أقوال لمسئولين في الحكومة السودانية يتهمون فيها عناصر من المخابرات التشادية والليبية ودولة إريتريا بدعم التمرد، بينما تتهم حركات التمرد الحكومة التشادية بمحاباة الخرطوم وتتردد أقوال عن مشاركة عناصر من دول إفريقية شتى في الصراع المسلح بدارفور بينها عناصر من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأوغندا.
إن كل ذلك إذا ما ثبتت صحته فإنه يعني أن الصراع قد تحول من طابعه كمعارضة مسلحة لحركات سياسية ضد الحكومة المركزية إلى كونه حرباً أهلية (تغذيها توجهات إقليمية - دولية) يتصارع فيها في المقام الأول أبناء دارفور من عرب وأفارقة.


 
 
 
 
 

التعريف | الدستور | النظام الداخلي | المؤتمرات القومية | المؤتمرات القطرية | قيادات الحزب| وثائق الحزب| بعض المقولات الأساسية |للاتصال بنا
الصفحة الرئيسية