لم يترك الدكتور درويش لي شيئاً لأقله
، فالموضوع ومفاهيمه التوفيقية أعتقد
أنها من الناحية الفنية جيدة ولكن
من الناحية الاصطلاحية أنا أميل إلى
النظرية التكاملية لأن التوفيق معناه
التنازل عن شيء للحصول على شيء، أما
التكامل فهو بالحقيقة إيجاد المشترك
بين الأفكار والفرقاء، وهذا المشترك
يتم على مستوى تطوري أرقى.
النظرية التكاملية مطلوبة الآن، وهي
نظرية ضد نظريات المتقابلات أو نظرية
المنقسمات، وفكرنا العربي، في الحقيقة،
وفلسفتنا العربية كانت دائماً فلسفة
تكاملية تعتقد أن العقل الكلي هو
العقل الذي يجب أن يكون، العقل الكلي
بالمعنى التكاملي، وليس بمعنى نفي
العقول، فلأقل (العقول الجزئية)،
على كل حال هذه الملاحظة فقط، أنا
أتفق مع الدكتور درويش بكل ما طرحه
وموضوعي قريب من موضوعه، لكن ربما
له اتجاه آخر.
أنا الآن عائد من الصين، وحضرت مؤتمر
الأحزاب الآسيوية، كان هناك 81 حزباً
سياسياً مشاركاً، ما لاحظته أن جميع
هذه الأحزاب رغم اختلافها تتفق على
شيئيين: أنها يجب أن يكون لديها حيوية
ويجب أن تنتقد تجربتها، والشيء الثاني:
أنها تعترف بأنها في أزمة، الحركة
الحزبية الآن في أزمة بما فيها حزب
البعث العربي الاشتراكي سواء كان
من ناحية الفكر أو من ناحية الممارسة،
فإننا إن لم نعترف أننا في أزمة فلن
نفعل شيئاً، والخروج من الأزمة دائماً
يتطلب عمليات قيصرية، لا يتطلب (التهدئة
الفكرية)، على العكس يتطلب الإثارة
الفكرية.. الشجاعة الفكرية.
أكاد أن أقول إن أساس مشكلة الأزمة
الحزبية لدينا وفي العالم، هو أن
الحزب ابتعد عن الحريات، أو بالأحرى
فلنقل أنه نظر إلى المجتمع وكأن المجتمع
في حالة سكونية، نحن الآن في سورية
في حزب البعث العربي الاشتراكي نتحدث
عن (الشعب) هذه المقولة ـ التي كل
يدعي وصلاً بليلى ـ التي يستخدمها
الجميع (الشعب أو المجتمع) لا نزال
نعتقد أن هذا الشعب وهذا المجتمع
ما زالا على حالتهما في عام 1947
أو 1948 أو 1963 أو 1970، لا ننطلق
من أن هذا الشعب تغير في بنيته، وفي
فكره، وفي مجمل تراكيبه الثقافية
والفكرية والنفسية، وأنه يجب التعامل
معه بشكل آخر.
الأزمة الحزبية بدأت عند الأحزاب
التقدمية حين بدأت تبتعد عن المجتمع،
وتتجه نحو السلطة، والسلطة غير المجتمع،
السلطة هي فوق المجتمع، وهذا ما يقوله
العلم، مهما كانت السلطة شعبية فهي
ليست المجتمع، هي شيء فوق المجتمع،
هي في معنى ما استلاب اجتماعي.
تجربة الأحزاب الماركسية تؤكد ماذا
يعني الابتعاد عن الحريات الشعبية،
أنا اعتبر أن ما حصل في المجر عام
1956 هو أول صدمة لتعامل الأحزاب
الماركسية مع المجتمع والسلطة ، حينها
كان يجب أن تستفيق، لكنها لم تستفق،
وفي عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا، بغض
النظر عن التدخلات الأجنبية وهي جاهزة
في كل وقت لأي شيء، لكن يجب أن ننظر
أن الخطأ داخلي، أن هناك شيئاً داخلياً
لا يسير كيفما هو مطلوب، إنما هناك
نوع من أنواع الارتباك في التعامل،
إلى أن وصلت هذه الأحزاب في تعاملها
فلنقل (غير الطبيعي) مع السلطة و
مع المجتمع، وأنها تحولت إلى سلطة،
الأحزاب تحولت إلى سلطة في أوروبا
الشرقية بشكل خاص، حتى اخترعت ما
يسمى بدكتاتورية البروليتاريا، دكتاتورية
على من؟ إذا كان المجتمع انتهت فيه
الطبقات، فهي دكتاتورية ضد من؟ ديكتاتورية
ضد الشعب بالتأكيد! وصلت إلى أزمة
تاريخية، أدت إلى هذه النهاية، فإذا
كانت هذه النهاية ـ إذا اعترف الماركسيون
بأنها نهاية داخلية ـ فهذا في الحقيقة
أخف الاعترافات، أما إذا كانوا يقولون
أنه من الخارج فكانت هذه النهاية
فهذا عذر أقبح من ذنب .
الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية
أيضاُ في أوروبا وقعت في أزمة، ونحن
نرى الآن أنه لا توجد فوارق بين النظرية
الاشتراكية الديموقراطية في أوروبا
ونظرية الديموقراطية المسيحية واليمين
المحافظ، الفوارق أصبحت بسيطة، بمعنى
أن الاشتراكية الديموقراطية أيضاً
تخلت عن الشعب، لدرجة أن أحد قادة
الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني
ينسحب من الحزب ويقول هذا ليس حزبي...
أيضاً هذه الأحزاب اتجهت وأخذت تتسابق
مع أحزاب اليمين نحو السلطة، كان
الهدف هو السلطة! وليس المجتمع، ثم
ذابت هذه الأحزاب في السلطة، بدلاً
من أن تحول السلطة اجتماعياً، تحولت
هي إلى مؤسسة سلطوية، وانعكست فيها
جميع مفاسد السلطة، بما فيها من القهر،
والفرض، والفساد، والتعالي والابتعاد
عن المجتمع، وإغلاق أي باب بين الأحزاب
والمجتمع، لدرجة أننا في حزب البعث
العربي الاشتراكي حتى اجتماعاتنا
مغلقة، فعندنا مثلاً الفرقة في دار
البعث تبحث شؤون دار البعث، يغلقون
الباب ويمنعون أحداً من الدخول إن
لم يكن حزبياً... هذه الانغلاقية
هي نوع من أنواع الممارسات السلطوية،
هذه هي الأزمة الحقيقية، الآن كيف
الخروج من هذه الأزمة؟
الباب الوحيد هو: العودة إلى المجتمع،
يجب أن يهمنا في عملية التحويل الاجتماعي
عملية التعامل مع المجتمع، ماذا يحصل
مع الشبيبة ماذا يحصل مع المرأة وماذا
يحصل في التعليم والتربية؟ وليس مهماً
من هو مدير هذه البلدية، ومن هو مدير
هذه المؤسسة، ومن هو هذا الوزير،
ومن هو معاون الوزير؟ جهود الأحزاب
وليس عندنا فقط وإنما في جميع أنحاء
العالم، من اليمين ومن اليسار، وخاصة
أحزاب اليسار ذابت في السلطة لدرجة
أنها أصبحت مستلبة في علاقتها مع
الشعب.
في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي
- وهذا شيء إيجابي - هناك لدينا مستندات
قوية للعودة إلى المجتمع، وأنا أكاد
أقول إنه إذا أراد البعثييون العودة
إلى المجتمع، فعليهم أن يعودوا للبعث
أولاً، لبعث المجتمع وليس للسلطة
بغض النظر كم هذه السلطة شعبية وكم
هي متوافقة مع رغبات الشعب وطموحاته
..إلخ.
للأسف ليس لدينا في سورية أية آليات
لنعرف هل السلطة متوافقة مع رغبات
المجتمع؟ يعني ليس لدينا أية آلية
تؤكد هذا، سوى الفرضيات، وهذه الفرضيات
في كثير من الأحيان قد تكون غير دقيقة،
يجب أن يكون لديك مؤسسات، وهذه ربما
من مهمة الحزب أن تكون لديك مؤسسات
فحص الرأي العام... فأنت عندما تضع
قانوناً جديداً للتربية ، ما رأي
الناس بهذا القانون؟ هل يستطيع أحد
أن يجيبنا ما هو رأي السوريين في
أي قانون وضع؟ في أية سياسة وضعت
؟ لا توجد هذه الآليات، والحزب يعتقد
أنه هو الطليعة التي تنوب عن الشعب
بشكل أو بآخر، وهذا هو الخطأ الكبير،
حتى مفهوم الطليعة هو مفهـوم انعزالي
انغلاقي، وهو لا يختلف كثيراً عن
مفهوم النخبة، إلا ربما في الأصول
الطبقية، وهذه المصطلحات التي لم
تعد راهنة ولم تعد تستجيب مع تكاملية
المجتمعات، هذه الانفصامية الطبقية
أو العرقية، فأنت عندما تقسم المجتمع
إلى طبقات، تعطي بالحق نفسه الحق
لمن يريد أن يقسمه إلى فئات عقائدية
وفئات عرقية وفئات اجتماعية مختلفة،
بنفس الحق، لذلك هذه الانقسامية في
المجتمع أصبحت مضرة، هناك عقل كلي،
عقل تكاملي اجتماعي، يجب أن نكون
قريبين إليه، وليست مشكلة صعبة أن
نكون قريبين إلى هذا المجتمع، كلما
(ابتعدنا) أنا لا أقصد الابتعاد بمعنى
ترك السلطة ولكن كلما ابتعدنا عن
آليات السلطة عن مؤسسيات السلطة واقتربنا
من المجتمع نجد أن المجتمع هو فعلاً
باب مفتوح وليس شيئاً مغلقاً، الآن
مثلاً كلمة المجتمع أو كلمة الشعب
تبدو وكأنها تعبير خيالي، تعبير مجرد
مئة بالمئة، رغم أن الشعب ليس مفهوماً
مجرداً، هناك أناس موجودون حولنا،
نحن منهم في المحصلة، وكل إنسان يمكن
في المساء عندما يذهب إلى بيته ويفكر
بم يفكر جاره،يشعر ما هو المجتمع،
المجتمع شيء ملموس، المجتمع ليس مصطلحاً
اخترعته النظرية الماركسية - أو النظرية
الاشتراكية أو النظرية الحزبية، بالعكس
تماماً، النظريات كلها، وهذه الإيديولوجيات
حولت الشعب المحدد الملموس إلى فكرة
مجردة.
أقول إن العودة إلى الشعب هي في تطبيق
الحريات، يجب ألا نخاف من تطبيق الحريات،
إذا كان الشعب لديه حرياته الكاملة،
ويستطيع أن يختارنا كبعثيين بحريته
الكاملة، فهذا يعني فعلاً أننا نحن
قريبون من المجتمع، أما إذا كنا نخاف
من هذا الشيء، فنحن بعيدون عن المجتمع
بالتأكيد، وفي هذا تناقض... إذا كنا
نخشى أن يكون للشعب حرياته لكي لا
يختارنا، فهذا يعني عذر أقبح من ذنب،
أما إذا كنا واثقين بأننا قريبون
من المجتمع، فهذا يعني أن الشعب سيختارنا،
هذه معادلة بسيطة، ولنعد إلى فكر
البعث نجد أن هناك مرتكزات كثيرة
( ذكر منها الدكتور درويش مرتكزات
كثيرة)، وبما أنني أتحدث عن الحريات
فسوف أذكر مادة واحدة من دستور حزب
البعث معبرة جداً - المبدأ الثاني
- الذي يقول : حرية الكلام ـ أنا
لا أعتقد أن هناك حزباً قوياً في
العالم يخشى من الكلام - حرية الكلام
والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة
لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها.. ما
معنى هذا الكلام؟ لاحظوا في الفكر
السياسي المعاصر الذي هو الفكر الأوروبي
الذي بدأ مع الثورة الفرنسية، الحقوق
أو حقوق المواطن أو الحريات (حرية
التعبير والاعتقاد والاجتماع والتحزب)
اعتبرت حريات وضعية، ليست حريات طبيعية،
حريات وضعية يفرضها المجتمع السياسي،
وتفرضها الكينونة السياسية للإنسان،
لأن المجتمع السياسي في هذه النظرية
هو اتفاق وعقد بين الناس، هو ليس
شيئاً طبيعياً في الناس، وهو اتفاق
عقدي بين الناس، هذه الحريات لها
مفهوم وضعي، بينما في حزب البعث هذه
الحريات مقدسة بمعنى أنها حقوق طبيعية،
هي تتعلق بطبيعة الإنسان وليس باتفاق
الناس وليس بالقوانين الوضعية، وهذا
أعتقد أنه تقدم نوعي على النظرية
السياسية المعاصرة التي تعتبر هذه
الحقوق حقوقاً وضعية، تنتج من الكينونة
السياسية للإنسان.. للفرد.
طبعاً علينا دائماً ـ لكي نعطي حزب
البعث حقه أيضاً ـ أن نفرق بين نوعين
من الحقوق، حقوق الإنسان التي هي
حقوق طبيعية للناس، مثل حق الحياة،
حق العمل، حق بناء الشخصية، هذه الحقوق
التي يعتمد عليها وجود الإنسان كإنسان،
ومن ثم حقوق المواطنة، الحقوق السياسية
التي هي حق التعبير والاعتقاد...
إلخ، حاول حزب البعث أن يجمع بين
هذه الحقوق ويجعلها جميعها حقوقاً
طبيعية، أي أن حق التعبير هو حق طبيعي،
الآن تجربة حزب البعث في سورية بشكل
خاص ـ بغض النظر عن السلبيات التي
هي كثيرة بدليل أن هناك أزمة ـ نجحت
نوعاً ما في تأمين ما يسمى بحقوق
الإنسان الطبيعية، بمعنى تأمين ـ
بشكل معين إلى درجة ما ـ حق الحياة
عبر الخدمات الصحية المتوافرة، حق
بناء الشخصية عن طريق المدارس في
كل قرية، أنا أعلم أن أول حق من حقوق
أي إنسان في قرية بعيدة في محافظة
نائية هو أن يكون لديه سد وقنوات
ري لكي يستطيع أن يزرع، لكي يستطيع
أن يأكل، أعتقد أن هذا الحق بالنسبة
له حق إنساني أهم ربما من حق التعبير
أو اختيار من يمثله في المؤسسات الدستورية...إلخ.
إذا ً، أصبح هناك تقدم كبير نسبياً
في تأمين هذه الحقوق، حقوق الإنسان
الطبيعية، نحن إذا لاحظنا أن سورية
عندما بدأت سنة 1970 ما بدأته مع
الدول النامية الأخرى عام 1947 أي
بتأخر حوالي 23 سنة نجد أننا خطونا
خطوات مناسبة وجيدة في هذا المجال
وخصوصاً أن هناك اكتفاءً ذاتياً،
وهناك مستوى جيد من التربية والتنمية،
هناك مرافق صحية وزراعية ..إلخ، مجموعة
هذه المنشآت ساعدت الإنسان على تأمين
حقوقه الطبيعية: حق الحياة وحق النماء
وحق العمل، إلى درجة ما، وحق توافر
شروط البيئة السليمة ..إلخ، بقي لدينا
حقوق المواطن يجب أن نكون صريحين،
نحن تخلفنا بالنسبة لحقوق المواطن،
وربما نعتقد أن حقوق المواطن يمثلها
الحزب، بما أننا حزب يمثل المجتمع،
فنحن أيضاً سنمثل حقوق المواطن، لأن
المواطن نحن نمثله فنحن أيضاً نمثل
حقوقه، وهذا منطلق خاطئ، هذا يوقعنا
في أزمة كبيرة نلاحظ الآن أبعادها.
الحل هو في العودة إلى هذا الدستور
وقراءة منطلقاته، والابتعاد عن جميع
أفكار الحزب والنظريات التي وجدت
في مرحلة معينة إما للمزاودة أو للصراع
داخل الحزب، كانت هناك نصوص توضع
للمزاودة بين الرفاق قبل الحركة التصحيحية،
فجاءت الحركة التصحيحية لتوحد صفوف
الحزب، لكن قبل ذلك كانت توضع نصوص
للمزاودة فقط، مثلاً إذا كنت أنت
اليوم تميل إلى هذه الناحية فأنا
سأكتب نصاً في الغد يميل إلى الناحية
الأخرى ويوافق عليه المؤتمر وانتهت
المشكلة، أنا لا أدين أي وثيقة حزبية
فكرية، ولكن أقول إن هذه الوثائق
وضعت في مرحلة معينة للتوصل إلى أهداف
معينة، هل هي مبررة تاريخياً أو غير
مبررة تاريخياً لم يعد يهمنا هذا
الآن، المهم الآن هو ألا تبقى هذه
الوثائق مستندنا الفكري، ولدينا دستور
فيه منطلقات عامة يمكن عصرنتها وتفسيرها
عصرياً باستمرار.
صحيح أن ما تلاه الدكتور درويش حول
الديمقراطية وسلطة الشعب، يقول الحزب
أنه يجب تنفيذه في الدولة العربية
الكبرى، ومن قال إن سورية ليست دولة
عربية، وهل ننتظر حتى يتحد العالم
العربي ونبني الدولة العربية الواحدة،
ـ طبعاً هذا لم يقله الدكتور درويش
ـ لكن المقصود بالدولة العربية الواحدة
يعني نحن لن نقوم بالديمقراطية إلا
عندما تصبح لدينا دولة عربية واحدة،
وأنا لا أعرف كيف نصل إلى هذه الدولة
إذا لم يكن لدينا ديمقراطية.
أنا أعتبر أن سورية هي الدولة العربية
المقصودة في هذا الدستور، ويجب أن
تطبق بحذافيرها، هذه النظرة، وهذه
الفكرة الواردة في الدستور للتعامل
مع السلطة والتعامل مع المجتمع والتعامل
مع الحريات.