الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970
بيان القيادة القطرية المؤقتة
تشكيل قيادة قطرية مؤقتة في 16 تشرين الثاني 1970 وقيام الحركة التصحيحية بقيادة القائد الخالد حافظ الأسد .
بيان القيادة القطرية المؤقتة بتحمل مسؤوليات المرحلة الانتقالية.

 

يا جماهير شعبنا العظيم...
أيها الرفاق المناضلون...
تواجه أمتنا العربية اليوم تحديات مصيرية تستهدف وجودها والقضاء على تطلعاتها المشروعة لبناء مستقبلها المنشود ويأتي في قمة هذه التحديات إصرار القوى الإمبريالية على تصفية قضيتنا الكبرى ومحرك نضال جماهيرنا ونعني بذلك القضية الفلسطينية.
ولكي تصل المخططات الاستعمارية إلى تحقيق هدفها في تصفية القضية الفلسطينية وتثبيت الوجود الصهيوني الدخيل على أرضنا العربية المحتلة المغتصبة فإن هذه المخططات تعمل في مناخات متعددة للوصول إلى أهدافها.
وأبرز هذه المناحي يتجلى في محاولاتها الإبقاء على التجزئة والتخلف اللذين ترزح تحت وطأتهما جماهير أمتنا المناضلة.
إن مخططات الاستعمار تستهدف تمزيق طاقات الجماهير العربية وتفتيت تلاحم فصائل الثورة العربية على مدى الوطن العربي وزرع السلبيات والشكوك بين القوى التقدمية العربية على المستويين القطري والقومي، كما تعمل جاهدة على تمزيق وحدة كل قوة تقدمية على حدة وذلك عن طريق استغلال نقاط الضعف في تكوينها أو في قياداتها أو في ممارساتها النضالية،
وذلك لتمزيق قدراتها والحيلولة دون مبادراتها على صعيد توحيد الفصائل التقدمية الأخرى.
لأن أية قوة تقدمية مهما كانت مواقعها وقوتها لايمكن أن تبادر إلى أي لقاء جدي مع القوى التقدمية الأخرى إذا لم تمتلك وحدتها الذاتية التي تخلق لديها الثقة الكاملة بالنفس وبالتالي الثقة بقدرتها على التفاعل والحوار مع الآخرين.
إن حزبنا حزب البعث العربي الاشتراكي هو إحدى الفصائل الأهم من فصائل الثورة العربية الذي جسد منذ أكثر من ربع قرن نزوع الإنسان العربي المعاصر نحو تحقيق رسالة أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية وذلك من خلال منطلقات الحزب النظرية ومقررات مؤتمراته القومية وممارساته النضالية ومن خلال تنظيمه القومي الذي يجسد عملياً وحدة الأمة العربية.
إن حزبنا الذي جسد بمنطلقاته وإستراتيجيته طموح جماهيرنا العربية الكادحة كان يبتلى بعقليات قيادية مناورة وعاجزة عن التطور وتمثل كل رواسب الواقع المتخلف الذي تعيشه أمتنا مما يجعلها عامل كبح دائم لنضالات قواعده وجماهيره، الأمر الذي كان يخلق هوة كبيرة بين ما يصبو إليه مناضلو هذا الحزب وجماهير الشعب وبين ما يسمح بتحقيقه قصور وتسلط تلك العقليات القيادية والمتعالية والمناورة مما سبب التناقض والشلل والانقسام في صفوف حركتنا الثورية الأصلية وفي كل مرة تصدت فيها قواعد الحزب لتلك العقليات القيادية كان ينقسم الحزب على نفسه بفعل ما تملك العقلية من قدرة على ممارسة الديما غوجية والتزييف والتستر وراء شعارات لا تؤمن بها وكانت كل تلك الانقسامات بعيدة عن أن تكون انقسامات لها أسس ومنطلقات وأساليب عمل متمايزة بحيث يتحقق فرز علمي صحيح للشوائب التي قد تعلق بجسم أية حركة ثورية نامية ومتطورة، بل كان الانقسام يشطر الحزب إلى مجموعات فيها الغث والسمين وهكذا كانت تتوالى الكوارث على الحزب بفعل هذه العقلية المتخلفة.
ثم كانت حركة الثالث والعشرين من شباط عام 1966 التي أضافت صفحة جديدة مشرقة إلى صفحات نضال قواعد الحزب ضد تخلف ووصاية العقلية القيادية اليمينية التي ألمحنا إليها وكانت في منطلقاتها توضيحاً رائعاً للنهج الثوري الذي هو مسار حزبنا منذ فجر ميلاده.
ولكن قواعد الحزب وجماهير الشعب وقعت مرةً في خيبة أمل مريرة بعد مد من الزخم الثوري ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية ذلك لأن العقلية القيادية المتسلطة والمناورة قد برزت وبأسلوب جديد لتخمد رويداً رويداً جذوة النضال التي ألهبت قلوب وعقول مناضلينا وجماهيرنا ولتدخلنا في دوامة الركود والعجز والشلل.
لقد مارست هذه العقلية ديكتاتورية في الحزب ووصاية على قواعده وإرهاباً فكرياً على مناضليه وإغفالاً لقرارات مؤتمراته وأقامت علاقات شخصية ونفعية وقربت وأبعدت بمقاييس لاتمت إلى التقويم النضالي بصلة.
إن حصيلة عمل تلك العقلية انعزال عن الجماهير الكادحة وفرض وصاية عليها وتسخير السلطة لإذلال المواطنين وهدر كرامتهم وبيروقراطية في أجهزة الحزب والحكم وقصور عن تطوير وتقويم أجهزة الحزب وقصور عن تقويم القوانين والأنظمة وإغفال كبير ومتعمد لدور المنظمات الشعبية وانغلاق عن الوطن العربي وقواه التقدمية وتفتيت للقوى التقدمية في داخل هذا القطر.
ولكي تتوج هذه العقلية المناورة والمتسلطة أعمالها عمدت إلى تفجير أزمة مفتعلة كادت أن تودي بالحزب وثورته في هذا القطر بهدف هروبها من معركة المواجهة القادمة مع القوى الاستعمارية والصهيونية والرجعية.
وعلى الرغم من تداعي قواعد الحزب المناضلة إلى عقد مؤتمر قطري استثنائي في ربيع عام 1969 لمعالجة الأزمة وعلى الرغم من المقررات الهامة التي اتخذها ذلك المؤتمر والتي هي في صلب اختصاصه وعلى الرغم من تظاهر العقلية المناورة والمتسلطة بالرضوخ لإرادة قواعد الحزب وإعلانها القبول بهذه المقررات وترشيح نفسها للقيادة القطرية على هذا الأساس وإعلانها الالتزام الكامل بها، إلا أنها استمرت وخلال عامين تقريباً بالتهرب من تحمل المسؤولية ووضع العراقيل في طريق الذين تصدوا لحمل أعباء المرحلة بصدق وجدية وبروح المسؤولية والالتزام الحزبي والحرص على مصلحة الوطن والشعب التي هي فوق كل اعتبار.
كما استمرت هذه العقلية بتسميم الجو الحزبي وخاصة على نطاق التنظيم القومي وتشويه صورة الثورة وجيشها العقائدي في هذا القطر بأذهان رفاقنا المناضلين في الوطن العربي الذين يخوضون أشرس المعارك ضد الرجعية العميلة في الأردن وضد العقلية المتسلطة على شعبنا في العراق وضد كل قوى التخلف والعمالة على كل الساحة العربية.
وفي الوقت الذي تعاظمت فيه مخاطر الهجمة الاستعمارية والصهيونية والرجعية على وطننا العربي ولاحت في الأفق بشكل جلي مشاريع الحلول الاستسلامية وفي مقدمتها مشروع روجرز، تلك المشاريع التي تتطلب من كل القوى التقدمية والوطنية حشد طاقاتها وتجنيدها لمعركة التحرير المقدسة، وفي هذا الوقت الذي بدأت فيه مخططات الاستعمار لتصفية المقاومة الفلسطينية وتكشفت حدة التآمر اليميني على حزبنا وثورتنا وقضية شعبنا، وفي الوقت الذي فجع فيه الشعب العربي بفقيده العظيم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في هذا الوقت بالذات الذي كان يجب أن تفكر فيه تلك العقلية المتسلطة والمناورة بالارتفاع بنفسها إلى مستوى خطورة المرحلة من أجل تفجير طاقات مناضلي الحزب والتصدي لقيادة الجماهير العربية ووضع الخطط المتكاملة وممارسة تطبيقها تنفيذاً لإستراتيجية الحزب في خوض معركة التحرير وتحقيق شعار وحدة القوى التقدمية العربية من خلال المعركة، في هذا الوقت بالذات دللت العقلية المناورة على استهتارها وضعف شعورها بالمسؤولية بافتعالها أزمة جديدة تركت البلاد في دوامتها أكثر من شهر، ولهذا ولكي لا نفسح المجال أمام هذه العقلية المناورة والمتسلطة والفردية أن تعرقل مسيرة الحزب والثورة وتضع جماهير الشعب في سلبية قاتلة، ولكي نعيد إلى حركة الثالث والعشرين من شباط صفاءها وثوريتها كان لابد لقواعد الحزب مدعومة بتأييد جماهيرنا الكادحة وبقوة هذا الشعب الذي لا تلن له قناة من أن تتصدى مرة أخرى لهذه العقلية فتبعدها نهائياً عن مسرح الأحداث وعن مواقع المسؤولية.
وانطلاقاً من هذا الفهم فقد تصدى رفاق لكم من واقع الشعور بالمسؤولية والحرص على الحزب والثورة وشكلوا قيادة قطرية مؤقتة أخذت على عاتقها قيادة الحزب والثورة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا ووضعت برنامج عمل محدد لهذه المرحلة الانتقالية بما يكفل السير بجدية من أجل رأب الصدع والعودة إلى الحياة الطبيعية ريثما يعقد مؤتمر قطري لانتخاب قيادة قطرية جديدة بعد أن تكون القيادة القطرية المؤقتة قد جنبت الحزب والوطن كارثة محققة كانت تدفع إليها عقلية التسلط والمناورة في القيادة السابقة للتهرب من المسؤولية الثقيلة في هذه الظروف العصيبة.
ياجماهير شعبنا العظيم ـ أيها الرفاق المناضلون ..
إن القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي، إذ تتسلم مسؤولياتها التاريخية في قيادة هذه المرحلة فإنها تعاهدكم على السير في أعمالها على هدى هذا البرنامج المستوحى من مقررات مؤتمرات الحزب ومنطلقاته النظرية وتحقيق أهداف الجماهير في الوحدة والحرية والاشتراكية ، من أجل بناء مجتمع الصمود والتحرير وتحقيق شعار الكفاح المسلح لطرد الغزاة الصهاينة عن أرض الوطن سنعمل على تنفيذ مايلي:
أ ـ في المجال الداخلي:
حشد كل الطاقات التقدمية والشعبية ووضعها في خدمة المعركة وذلك من خلال العلاقات باتجاه إقامة جبهة تقدمية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.
تشكيل مجلس للشعب خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر يضم ممثلين عن الحزب والمنظمات الشعبية والمهنية والقوى والعناصر التقدمية بهدف ممارسة التشريع ووضع الدستور الدائم للبلاد .
متابعة وضع وتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية على ضوء ضرورات المعركة وحاجات الشعب الأساسية .
تعميق وتطوير التحولات الاشتراكية والاستمرار ببناء القاعدة الاقتصادية المادية بما يخدم المعركة ويحقق بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد .
إعطاء المنظمات الشعبية دوراً فعالاً في قيادة عملية التحويل الاشتراكي وممارسة الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة والإسهام في استكمال بناء الديمقراطية الشعبية .

متابعة بناء وتطوير القوات المسلحة من أجل القيام بواجبها على الوجه الأكمل في معركة التحرير .
إصدار قانون الإدارة المحلية .
لما كان الإنسان غاية كل حركة ثورية أصيلة وأغلى ما يمتلكه حريته وكرامته لذلك فإننا سنبذل كل جهد لصيانة حرية المواطنين وكراماتهم .
ب ـ في المجال العربي :
التحرك الواسع مع الدول والقوى العربية التقدمية في كافة المجالات التي تعزز إستراتيجية الكفاح المسلح وحشد الطاقات العربية في المعركة المصيرية .
العمل على تحقيق خطوات وحدوية مع الدول العربية التقدمية ولا سيما الجمهورية العربية المتحدة .
ينظر الحزب والثورة في هذا القطر بارتياح وتفاؤل إلى اللقاءات الوحدوية التي تمت بين الجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العربية الليبية وجمهورية السودان الديمقراطية الشعبية، لذا سنعمل لتأخذ الجمهورية العربية السورية مكانها الطبيعي في هذه اللقاءات الوحدوية .
دعم الثورة الفلسطينية وبذل أقصى الجهود المخلصة للعمل على تحقيق وحدة فصائل المقاومة .
دعم كافة الحركات التقدمية في الوطن العربي بكافة الوسائل والعمل على تحقيق الجبهة العربية التقدمية .
ج ـ في السياسة الدولية :
تطوير العلاقات مع المعسكر الاشتراكي وخاصة مع الاتحاد السوفييتي الصديق .
التعاون مع كافة حركات التحرر الوطني والقوى التقدمية في العالم .
تطوير العلاقات وتعميقها مع الدول التي تقف مواقف عادلة من قضايانا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية .
أيها الرفاق المناضلون ...
إن حزبكم حزب البعث العربي الاشتراكي حزب العمال والفلاحين حزب الجنود والحرفيين وصغار الكسبة والمثقفين الثوريين حزب كل الفقراء والمحرومين الذي عبر باستمرار ومن خلال مسيرته النضالية عن مطامح شعبنا وتطلعاته في بناء المجتمع الجديد مجتمع الوحدة والحرية والاشتراكية إن الحزب يقف اليوم ومن خلال نضالكم صامداً ومكافحاً بالرغم من كل التحديات والمعوقات والظروف الصعبة والقاسية التي جابهت وتجابه مسيرته النضالية .
إن حزبكم الذي استوعب بأهدافه وفكره ومنجزاته مصالح الجماهير الكادحة حتى أصبحت تلك الأهداف محور نضال كافة القوى العربية التقدمية وكل المناضلين في أرجاء الوطن العربي الكبير سيبقى قائداً لثورة الجماهير العربية الكادحة في هذا القطر صامداً أقوى من كل التحديات وفصيلة أساسية من فصائل الثورة العربية المعاصرة الهادفة للوحدة والتحرر والقضاء على التخلف والتجزئة وجزءاً من حركة التحرر العالمية الشاملة ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية في العالم بأسره مستمداً قوته من نضالكم وتضحيات ونضال جماهيرنا المؤمنة بأهدافها والمصممة على متابعة مسيرتها الطويلة نحو بناء مجتمعنا العربي الاشتراكي الموحد .
أيها المناضلون ...
إن رفاقكم في القيادة القطرية المؤقتة واثقون من حسن تقديركم لسلبيات المراحل الماضية والتي كانت تظهر واضحة من خلال تحليل التجربة وتحديد الثغرات التي كنتم تعبرون عنها في مؤتمراتكم على مختلف مستوياتها والتي لم تجد استجابة من العقلية الفردية المتسلطة التي كانت دائماً حجر عثرة في طريق تطوير بنية الحزب الثورية وتصحيح مسيرته باستمرار، وواثقون أيضاً بأنكم تتصدون لتحمل مسؤولياتكم وبذل المزيد من الجهد والتضحيات لدفع مسيرة الحزب والثورة في المرحلة القادمة إلى الأمام بمزيد من التلاحم مع جماهيرنا الكادحة وقواها التقدمية بما يخدم أهدافنا جميعاً في بناء مجتمع الوحدة والحرية والاشتراكية .

المجد لشهدائنا الأبرار والخلود لرسالتنا
دمشق في 16/11/1970

القيادة القطرية المؤقتة
لحزب البعث العربي الاشتراكي
في القطر العربي السوري